غادرت بغداد في آخر أيام ديسمبر 1989، في نهاية مهمة حكومية رسمية صحبة وزير الثقافة الموريتاني الأسبق العلامة المرحوم "محمد سالم ولد عدود". كان العراق يومها مزهواً بنصره على إيران في الحرب الطويلة التي حرقت الأخضر واليابس في كامل منطقة الخليج العربي. بدت الأوضاع العربية يومها - من البوابة العراقية – واعدة ومبشرة بمستقبل زاهر: - النظام العربي في حالة انسجام وتفاعل غير مسبوقة، إثر استعادة مصر في الصف العربي، في وقت بدأت الترتيبات العملية لرجوعها إلى جامعة الدولة العربية وعودة الجامعة إلى مقرها الأصلي في القاهرة.كما أن التكتلات الإقليمية العربية الثلاثة التي ظهرت أوانها (في الخليج والمشرق والمغرب) بدت حلاً عملياً تدريجياً لعوائق الاندماج القومي. - الانتفاضة الفلسطينية على أشدها، مقدمة نماذج جديدة من المقاومة الشعبية، بعد خروج القيادة الفلسطينية من لبنان الذي كان النهاية الفعلية للمقاومة المسلحة. وكانت النتيجة الأساسية لانتفاضة أطفال الحجارة هي إبراز الاحتلال الإسرائيلي في وجهه البشع وتحويل القضية الفلسطينية إلى صدارة اهتمام الرأي العام الدولي. تحدثت الصحف والقنوات الإعلامية الغربية عن حجارة الصبي التي هزمت أعتى ماكينة عسكرية في المنطقة، وأعربت الولايات المتحدة لأول مرة عن استعدادها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والحوار المفتوح معها. - دشن انهيار جدار برلين في تلك الأيام آفاقاً رحبة لعالم جديد، انحسر فيه الصراع الأيديولوجي الاستراتيجي بين القطبين المتصادمين، وكثر الحديث عن قيام إجماع دولي جديد على القضايا العالمية الرئيسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، في وقت بدا الحديث عن تراجع الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل بعد انتهاء التهديد السوفييتي. كما أن العديد من الكتاب العرب اعتبر أوانها أن "البرسترويكا"(سياسة الإصلاح) السوفييتية ستفضي إلى دفع باب التحول الديمقراطي في العالم كله، بما فيه العالم العربي. كانت الوحدة اليمنية وقيام التجربة الديمقراطية الجزائرية من التجليات الأولى لهذا المشهد الوردي المرتقب. وعلى الرغم من أن بعض الغيوم الداكنة ظهرت في السماء العربية منذ منتصف سنة 1990، فإن احتمال تطور الأزمة الكويتية- العراقية المفاجئة إلى حالة الغزو والاحتلال، لم يكن وارداً في أبعد التوقعات. والواقع أن خلفية قرار الغزو لا تزال غامضة بعد مضي عقدين كاملين على الحادثة المشؤومة. وأذكر أني سألت أحد الإعلاميين العراقيين البارزين الذي كان أوانها وثيق الصلة بالرئيس "صدام حسين" (قبل أن يلتحق في نهاية التسعينيات بالمعارضة)، عن سر تلك المغامرة الجنونية، فاعترف لي أنه لم يستطع أن يستجلي هذا السر، رغم ما بذل من جهد استقصاء واسع. وغني عن البيان أن احتلال الكويت عصف بالنظام الإقليمي العربي بالكامل، وكرس حالة تصدع وانشقاق غير مسبوقة إطلاقاً. وقد تبلورت أيامها أطروحتان بارزتان في الفكر السياسي العربي: ذهبت أولاهما إلى أن زلزال الخليج أثبت زيف العقيدة القومية التي أطرت المنظور الأيديولوجي والاستراتيجي العربي. فمطلب الوحدة العربية من هذا المنطلق ليس موضوعياً، وإنما هو غطاء أيديولوجي للأحلام التوسعية والسياسات الوطنية العدوانية. كما أن مفهوم "الأمن القومي" هو مجرد وهم، بعد أن ثبت أن الخطر الذي يتهدد الدول العربية يتمحور في داخل الدائرة العربية وليس خارجها. وذهبت الأطروحة الثانية إلى ضرورة الحفاظ على الهوية القومية في هذا الحطام القاتم، مع حتمية المراجعة الجذرية للخطاب الأيديولوجي العربي وللاستراتيجيات العملية المتصلة به. بيد أن النتيجتين الأساسيتين من كارثة احتلال الكويت كانتا من المنظور البعيد انكشاف النظام العربي للتدخل الخارجي عسكرياً وسياسياً، والشروع في مسار التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي. وما يجمع بين المسارين هو محورية الدور الأميركي، الذي عرف تحولين كبيرين هما: المرور من سياسة الحصار والاحتواء (على الصعيد العراقي) والديناميكية التفاوضية (على صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي ) في أيام الرئيس "كلينتون" إلى سياسة الضربة الاستباقية كإطار استراتيجي للتعامل مع الملفين بإسقاط النظام البعثي في العراق (للحيلولة دون استخدامه لأسلحة الدمار الشامل) وبدعم حرب الحصار والتقتيل التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني. ولم يكن تأثير الاحتلال الأميركي للعراق بأقل من تأثير الاحتلال العراقي للكويت، وإنْ كانت الخلفيات متباينة والنتائج متغايرة. ومن الجلي اليوم أن حرب العراق الأخيرة، قد ولدت معطيات ثلاثة، لا تزال تشكل بؤرة المأزق الإقليمي: - التحدي الناجم عن انهيار بنية الدولة الوطنية الحديثة في العراق، الذي طرح بقوة الإشكال الفكري المعقد المتعلق بثلاثية البناء الوطني والديمقراطية التعددية والتدخل الخارجي. ويتجاوز هذا الإشكال الساحة العراقية التي تصلح أن تكون – على رغم خصوصياتها المعروفة ساحة اختبار للأوضاع السياسية العربية. - التحدي الناجم عن اختلال التوازنات الاستراتيجية في المنطقة بعد انهيار النظام البعثي في العراق، الذي أدى منذ السبعينيات دور "حارس البوابة العربية الشرقية" في سياق ترتيبات إقليمية ودولية كانت حاسمة في انتصار العراق على إيران في حرب السنوات الثماني. وتلتبس بهذه المعطيات الاستراتيجية أبعاد طائفية كثر الحديث عنها في السنوات الماضية. - إخفاق محاولات ترميم البناء العربي، الذي طرح راهناً وبقوة إشكال انغلاق المنظومة الإقليمية في الدائرة القومية، إثر بروز أطراف فاعلة غير عربية في عمق هذه المنظومة مثل تركيا وإيران ...وهي أطراف غدا تأثيرها أحياناً أهم من القوى الإقليمية العربية الرئيسية. بعد عقدين كاملين على الغزو العراقي للكويت، تغيرت دنيا العرب جذرياً، وامتد قوس الأزمة إلى بلدان عديدة كانت خارج دائرة الخطر. اذكر أن أحد كبار المفكرين العرب احتفى بكارثة الغزو واعتبر أنها بمثابة الحروب النابليونية التي وحدت أوروبا وقادتها للتنوير والنهوض. سألته بعد سنوات عن مقالاته الاحتفائية باحتلال الكويت عن رأيه فقل لي بمرارة :"اعترف بكل صراحة أننا كنا ضحايا وهم كبير".