لطالما كان صوت فيروز "وطناً" لكثيرين...وذلك بعيداً عن التابوهات وعن الأشكال والأسماء.. فهذه الفنانة القديرة كانت طوال فترة مجدها، ولا تزال، الصوت الصادق والقصة الحية في قلوب العرب من الخليج إلى المحيط. ولأنها كانت الوطن، فإنه حريٌ بها أن تكون وطن القانون، وصدق الوطن حين لا يتعدى ولا يتجاوز ولا يصادر أي حقوق. فقد عُذِّب الضمير العربي من فعل انتهاك حرمة القانون، ومن تجاوزات جعلت الاستخفاف بالقانون لسان حال جموع الشعوب المغلوبة على أمرها. ولأننا في واقعنا العربي نعاني من حساسية قتل القانون والقفز على تفاصيل إنسانيته، فلم نصدق أن فيروز صاحبة التاريخ المنهك من الكفاح والحب والأسى، يمكن أن ترفض القانون. فليس مهماً من كتب، ومن ألَّف، ومن لحَّن من "الأخوان رحباني" ما يهمنا ألا أن تفقد فيروز -برونقها وتألقها - حكايتها لدينا، ألا ينتهي بها المطاف إلى واحدة من المطربات التي لا تطبيق ما يرد في أغانيها من مبادئ ودلالات جيدة. فيروز حالة فنية استثنائية... وقد تعلم هي أنها شريك لأنجح نموذج (الأخوان رحباني)، أيضاً لم يكن لها أن تحقق كل هذا النجاح لولاهما، ولولا حكايات العمل المضني من أجل الوصول إلى هذه الأناقة التاريخية. فهزائم السياسة وتعب الاقتصاد لا يفترض أن يذهبا أيضاً نحو الفن، الملاذ الباقي لبشر يئسوا حتى من أمور كثيرة في واقعهم. وحده الفن، هو الفعل النبيل الباقي الذي لابد وأن يحافظ على أصالته، وطهارته، ويبقى صوتاً صادحاً ضد كل هذا القبح المنتشر على الساحة الفنية، والمحيط بنا منذ سنوات طويلة. والقانون هو الحرفة المقدسة... وحتى إنْ كانت فيروز بكل نجاحها... وشجنها وشراكتها معنا جميعاً في كل تفاصيلنا، فينبغي عليها أن تعترف أن لا أحد فوق القانون، وأن احترام الآخر قائم فقط على علاقته مع القانون، وكلما كان القانون هو السيد، كلما كانت فرصة الحياة أكثر اتساعاً وأفضل وأبقى. فهالة فيروز التي تأتي مع صوتها الصباحي الرائق، لا يجب أن تنطفئ بسبب حفنة من المكاسب المادية، ولم يكن يفترض بها أيضاً أن تترك طرفاً يلجأ إلى القضاء حتى يحصل على حقوقه. فالمال في عرف أصحاب العروبة وسيلة، وليس هدفاً للجاه، أو ثروة بلا فن يحظى بإعجاب وتقدير الجميع. ولعل -فيروز- لو أصغت من جديد لصوت الرحبانية لعلمت حق العلم، ماذا تعني تعاليمها الإنسانية الراقية. وأزعم أننا لا نصدق في فيروز موقفها من تطبيق قانون يعطي كل ذي حق حقه، لذلك نطالبها بأن لا تصغي للباحثين عن الصفقات.. ولا تصدق أنها قد تكسب وفي الوقت ذاته يساندها العرب جميعاً. عليها أن تؤكد ثقتها في منجزاتها... وأن تكون مدركة بأن الخلافات المادية قد تنسف جبالاً من الانجازات والانتصارات، وهو السبب الرئيسي في كثير من المشكلات على الساحة العربية. فيروز ليست مطربة لبنانية فقط، إنها حاسة خاصة يتلمسها العربي كلما حانت دمعة غربة، أو آهة أسى. لتكن كعادتها صوتاً فذاً وقلباً آسراً وإنساناً من طراز خاص بل خاص جداً!