ساركوزي يستعير خطاب "الجبهة الوطنية"... وتسريبات "ويكيليكس" تعقد المهمة الأفغانية ساركوزي يعيد التذكير بخطاب "الجبهة الوطنية" المناهض للهجرة، وتسريبات "ويكيليكس" تدخل المهمة الأفغانية مرحلة الأسئلة، وملامح الدبلوماسية المثيرة للجدل التي يتبناها ديفيد كاميرون، موضوعات ثلاثة حضرت بقوة في الصحافة الفرنسية. "الحرب على الهجرة" ألقى الرئيس نيكولا ساكوزي أول من أمس (الجمعة) في مدينة "غرينوبل"، جنوب شرق فرنسا، خطاباً حادّاً للغاية حول الهجرة، حملها فيه مسؤولية تفشي الجريمة وكافة المصائب والمصاعب الأمنية في النسيج الحضري الفرنسي، وقد استقطبت حدة هذا الخطاب ومحتواه اهتمام معظم الصحف الفرنسية، وخاصة منها صحف "اليسار" التي وجهت إليه انتقادات لاذعة، كما هو متوقع. صحيفة ليبراسيون نشرت بهذا الصدد تغطية تحت عنوان "ساركوزي يُمتشق الصور النمطية ويستهدف المهاجرين"، قالت فيها إن هذه هي المرة الأولى منذ توليه الرئاسة التي يشهر فيها ساركوزي علناً ودون تحفظ هذا الربط الصريح بين الانحراف والهجرة، داعيّاً إلى سحب الجنسية من بعض الجانحين ذوي الأصول الأجنبية. ولعل مثل هذه الحدة ضد المهاجرين والتدابير ذات السقف العالي بحق ذوي الأصول الأجنبية هي آخر ما كان متوقعاً من ساركوزي بالذات، ذي الأصول المجرية! وتمضي الصحيفة مستعرضة خلفية كلام ساركوزي المحموم الذي ألقاه بمناسبة تنصيب حاكم جديد في "غرينوبل" التي عرفت مؤخراً قلاقل بين بعض الشبان الجانحين والشرطة إثر مقتل شاب جانح برصاص قوات إنفاذ القانون، وهي قلاقل قيل إن رجال الأمن تعرضوا فيها، مرة على الأقل، لإطلاق رصاص حي استهدفهم. واعتبرت ليبراسيون أن كلام ساركوزي يرقى إلى مستوى إعلان حرب ضد كافة أشكال زعزعة الأمن والاستقرار، وهو إعلان أفرغ فيه كل ما في جعبته من فلسفة وتدابير ممكنة، كالمطالبة بتغليظ العقوبات بحق الجانحين، وتعديل القانون الجنائي الخاص بالأحداث. وهذا هو السياق الذي خطر على ذهنه فيه الكلام عن المهاجرين وأبنائهم: "يتعين أن تكون هنالك إمكانية لسحب الجنسية الفرنسية من أي إنسان من أصول أجنبية تورط عمداً في المساس بحياة رجل شرطة، أو جندي، أو دركي، أو أي شخص آخر مخول بإنفاذ السلطة العمومية". وفي ذات الصحيفة أيضاً عنون فرانسوا سيرجان افتتاحية يوم أمس بعبارة "مشبوه" مؤكداً أن ما يجرح أكثر في خطاب الرئيس هو امتطاؤه صهوة الكلمات لإلحاق الأذى بفئة محددة، وتكريس التفرقة بحقها. هذا مع أنه يحلو له عادة التبجح بمعرفة التاريخ والقدرة على استخلاص دروسه، ومع ذلك ها هو يستعيد الحديث عن تدابير تمييزية لم تطبق أبداً في تاريخ فرنسا سوى في أكثر لحظات ماضيها ظلامية وعاراً: حيث إن آخر مرة تم فيها نزع الجنسية الفرنسية وقعت بحق اليهود الفرنسيين في عهد نظام "فيشي" العميل تحت الاحتلال النازي. والأسوأ من هذا أن الخطاب يرسخ بهذه الطريقة درجات متفاوتة من المواطنة الفرنسية. واعتبر الكاتب أن إثارة هذه الزوبعة الآن تبقى مع ذلك في متناول الفهم، فساركوزي الذي تهوي شعبيته في حالة سقوط حر منذ عدة أشهر، وما زال لم يعرف بعد كيف يخرج من تبعات قضية "وورث"، يبدو أنه قرر الذهاب إلى ميدان اليمين المتطرف لخوض معركة مفتعلة يشغل بها الرأي العام. كما نجد ذات النبرة الناقدة بحدة في مقال آخر في صحيفة لومانيتيه اتهمت فيه رئيس الجمهورية بمزاحمة حزب "لوبن" على مقولاته المناهضة للأجانب، والمبالغة في الربط المفتعل بين مشاكل الأمن والهجرة. أما صحيفة لوفيغارو -المقربة من ساركوزي- فقد اكتفت بتغطية شبه محايدة لانتقادات المعارضة للخطاب، ولرؤية ساركوزي العامة فيما يتعلق بسياسات الهجرة والأمن العام. تسريبات "ويكيليكس" الكاتب "هيرفيه فافر" علق في افتتاحية "لافوا دينور" على الضجة الكبيرة التي نجمت عن تسريب ونشر موقع "ويكيليكس" الإيسلندي- العالمي، بالتنسيق مع ثلاث من كبريات الصحف الغربية، لقرابة 92 ألف وثيقة سرية حول الحرب في أفغانستان، معتبراً أن لهذه الواقعة سابقة مشهورة في التاريخ الأميركي هي تلك التي وقعت سنة 1971 حين تم تسريب ما سمي يومها "أوراق البنتاجون" التي كشفت الوجه الآخر المرير من حرب فيتنام، وكان لها أثر بالغ على توجهات الرأي العام إزاء بقية المهمة الأميركية هناك، التي انتهت إلى الفشل. وها هو التاريخ يعيد نفسه الآن بعد 39 سنة، في وقت تزداد فيه المقارنات بين الوضع الأفغاني وما جرى في مخاضات "المستنقع الفيتنامي". والنتيجة أن تسريبات "ويكيليكس" فتحت منذ نشرها يوم الاثنين الماضي نقاشاً واسعاً ليس في واشنطن فقط، بل وفي كافة العواصم الغربية الأخرى، حول الحصيلة التي تأدت إليها الآن سنوات الحرب الأفغانية المديدة. وفي هذا المقام لم يكن خلواً من المعنى إشارة "نيويورك تايمز" إلى أن واشنطن أنفقت إلى حد الآن 300 مليار دولار على المهمة الأفغانية، لتصل اليوم إلى نقطة بداية الصراع، أي إلى عودة حركة "طالبان" أخطر مما كانت عليه. أما لوفيغارو فقد ركزت في مقال ذي صلة على الضرر البالغ الذي تسببت فيه تسريبات "ويكيليكس" للحكومة الأفغانية، ولكافة الأطراف المتعاونة مع القوات الدولية هناك، وقد عبر ناطق باسم كرزاي عن غضبه مما اعتبره بمثابة "خيانة" غربية للأفغان الذين تعاونوا مع المهمة الدولية، حيث أصبحت حياتهم في خطر، هذا إضافة إلى أن ما تكشفت عنه تلك التسريبات هو ما ظلت حكومة كابول نفسها تكرره طيلة السنوات الماضية، خاصة تحذيراتها المستمرة من تنامي خطر التمرد، وطبيعة التحالفات والدعم اللذين يلقاهما من أطراف إقليمية فيما وراء الحدود الأفغانية. أما صحيفة لوموند فقد ربطت -في مقابلة مع خبير متخصص- بين توقيت هذه التسريبات ومحتواها وبين ما جاء في حديث الجنرال ماكريستال لمجلة "رولينغ ستون" الذي أدى إلى تنحيته من منصبه، هذا مع إشارة أخرى إلى نشر "واشنطن بوست" قبل أسبوعين تحقيقاً استقصائيّاً آخر معمقاً حول الوضع السيئ لأجهزة الاستخبارات الأميركية في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، فيما يبدو جهداً منسقاً لحشر إدارة أوباما في الزاوية الحرجة، فيما يتعلق بمقاربتها لاستكمال بقية استحقاقات المهمة الأفغانية. دبلوماسية كاميرون الكاتب بيير روسلين نشر افتتاحية بهذا العنوان في لوفيغارو توقف فيها أمام دلالة تصريحات رئيس الوزراء البريطاني الأخيرة في تركيا التي ساند فيها بقوة حقها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مع ما تبعتها من تصريحات أخرى في الهند اتهم فيها باكستان باللعب على رقعتي الشطرنج في ذات الوقت، في الحرب الأفغانية. وفي مساعيه لإسماع مضيفيه ما يشاءون لا يلوك كاميرون كلماته، أبداً، ولا يلقي بالاً لحجم الاستياء الذي ستولده لدى الأطراف الأخرى. ففي أنقرة لم يتردد في وصف غزة بأنها "معسكر مساجين جماعي"، مستثيراً بذلك استحسان الأتراك، ولكن على الجهة المقابلة كانت إسرائيل تتقلب غيظاً. وكذلك انتقاداته لما سماه الأحكام المسبقة الفرنسية- الألمانية ضد عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي لقيت هي أيضاً أصداء طيبة لدى مستمعيه الأتراك، مقابل عدم ارتياح في لندن وباريس. وذات الشيء يصدق أيضاً على انتقاداته لباكستان، وهو موجود في الهند، مستنداً الى تسريبات "ويكيليكس" الأخيرة لوثائق سرية متعلقة بحرب أفغانستان. ومع هذا يذهب الكاتب إلى أن كاميرون أثبت بالفعل أنه يتعامل مع القضايا الدولية بنوع من البراغماتية. إلا أنه يتعين عليه طمأنة شركائه الأوروبيين حول نواياه. أما دبلوماسيته فربما لا ينقصها سوى فترة تجربة لازمة. وحول التصريحات الأخيرة ضد باكستان التي أطلقها كاميرون من الهند والسجال الذي تبعها، سجلت أيضاً لوموند بعض ردود الفعل القوية عليها، ومنها اتهام السفير الباكستاني في لندن لكاميرون بـ"المساس بمبادرات السلام الإقليمية" وبأنه "اختار تجاهل الدور العظيم" الذي تلعبه باكستان في الحرب على الإرهاب، مفضلاً على ذلك الاستناد إلى تسريبات بعيدة عن الحقيقة، وعديمة المصداقية، بشكل لا لبس فيه. إعداد: حسن ولد المختار