طويلاً قبل الجدل في الشارع الغربي عن النقاب وحتى الحجاب، كانت الأسئلة تنهمر علينا من الإعلاميين وغير المتخصصين عن أحوال المرأة العربية. فبعد الأسئلة السياسية المعهودة عن الصراع العربي- الإسرائيلي أو عن تعثر الديمقراطية، قد يتساءل محدثك، وبالطبع محدثتك، الآن عن أحوال المرأة العربية. وعلى رغم أن بعض هذه الأسئلة يُعبِّر عن جهل بأحوالها، إلا أنه يعكس أيضاً اهتماماً بمعرفة أسرار هذا "اللغز"، في نظرهم، المسمى المرأة العربية. وفي مواجهة الإصرار على المعرفة عن المرأة العربية، كانت إجاباتي عادة تُذكِّر بأن أولى سيدات الإسلام، السيدة خديجة رضي الله عنها، أولى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، من ربات الأعمال وكانت لها تجارة، وفي الواقع هي التي استعانت بالرسول صلى الله عليه وسلم، للعمل في تجارتها. وكنت أود الاستمرار في التاريخ المُشرق لأدوار المرأة العربية، ولكن محدثاتي كن غالباً يهتممن بالحاضر، ويسيطر على معظمهن ما أستطيع أن أسميه نمط المرأة العربية في الصور النمطية الرائجة في الغرب، كشهرزاد في قصص "ألف ليلة وليلة" الشهيرة، وكنت أكافح لأطلب منهن قراءة الأدب النسوي الحديث من بنات العرب، فالكثير من الشارع الغربي لا يصدق أحياناً أن بنات العرب تعلمن وأصبحن أديبات متميزات. ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر- الاحتفالية التي جرت في بداية هذا الشهر في مدينة جنيف السويسرية، وهي على رغم صغر حجمها وتعداد سكانها، مدينة دولية فعلاً، كما أنها المقر الأوروبي لمنظمة الأمم المتحدة، وأيضاً للكثير من الأفرع الدولية للمجتمع المدني. وكانت المناسبة إطلاق الطبعة الإنجليزية الأولى من كتاب "المرأة العربية في مفهوم وقضايا أمن الإنسان" وهو كتاب ضخم من مجلدين، يقترب عدد صفحاته من 600 صفحة، وقائم على أعمال المؤتمر الثاني للسيدات الأول -الذي تعقده كل عامين منظمة المرأة العربية التابعة لجامعة الدول العربية، والذي انعقد في أبوظبي في نوفمبر سنة 2008 في ظل رئاسة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة الاتحاد النسائي العام وتحت رعايتها، وبالتالي أصبحت احتفالية إطلاق الكتاب في جنيف مسؤولية الوفد الدائم لدولة الإمارات لدى منظمة الأمم المتحدة بجنيف. وفي يوم الاحتفالية هذا، أعترف بأنني شعرت بالقلق، فقد كانت قاعة المؤتمرات الدولية التي تجرى فيها هذه الاحتفالية فسيحة ومن طابقين، وتصادف يوم الانطلاق بهذا المجلد الضخم، أن كان يوم جمعة ويعاني من حر قائظ، ومن تجربتي أعرف أن أهالي جنيف ينتظرون نهاية الأسبوع للذهاب خارج المدينة والتمتع بالفسحة في الجبال المحيطة أو الاستلقاء على الشواطئ القريبة، ولكنني شعرت بالاطمئنان عند دخول القاعة عندما رأيت عدداً محترماً من الحضور وفي تزايد مستمر، وكان التنظيم رائعاً، وقد صدق حدسي أيضاً أن موضوع المرأة العربية له الكثير والكثيرات من مريديه. كانت منصة التقديم خليطاً متجانساً من باحثي علم السياسة وممارسيها: السفير عبيد الزعابي سفير الإمارات ومندوبها الدائم لدى مقر الأمم المتحدة في جنيف، السيدة نورة السويدي، مديرة الاتحاد النسائي في الإمارات، ود. ودودة بدران مديرة منظمة المرأة العربية، الذين ألقوا الضوء في كلماتهم الافتتاحية على وضع المرأة في مجتمعها العربي. وبعد تقديم المجلد من جانبي بصفتي رئيس الفريق العلمي للمؤتمر وكبير محرري الكتاب، قام برئاسة الحلقة النقاشية د. أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، الحائز على دكتوراه العلوم السياسية من جامعة كامبردج والذي مارس التدريس في جامعة الإمارات قبل أن يتحول إلى العمل السياسي، وهو في ذلك حلقة تواصل ناجحة بين البحث العلمي والممارسة السياسية، مثله مثل د. ودودة بدران الحائزة على دكتوراه في العلوم السياسية من أكبر جامعات كندا، والتي مارست هي أيضاً التدريس في جامعة القاهرة قبل أن ترأس منظمة المرأة العربية. ويضم الكتاب الضخم تحليلات خيرة العقول العربية والأجنبية، من تونس أو لبنان أو من جامعات مثل كولومبيا، وأكسفورد وكامبردج، وقد يحتاج التعليق عليه إلى مقال مستقل. ولكن كانت المناقشة حامية، عن موضوعات مثل حقوق الإنسان أو الختان أو الثقافة الذكورية، وباللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، في ظل ترجمة فورية رفيعة المستوى، واستمر النقاش الرصين في الحديقة الغناء لمبنى مركز المؤتمرات الدولية حول غداء رائع كان للأجانب بمثابة تجسيد للكرم العربي الأصيل، محوطين بغناء فلكلوري خليجي رقيق ورقص شعبي اشترك في أجزاء منه بعض موظفي المنظمات الدولية. وكانت الاحتفالية مزيجاً متناسقاً من غذاء العقل والروح، واختفت بسرعة من على الرفوف النسخ المعروضة من الكتاب: حوالى 400 نسخة ليلتهم الحاضرون والحاضرات قراءتها. وكان هذا تمجيداً للمرأة العربية، ولكن متى تختفي نهائيّاً صورتها النمطية في أذهان الغربيين كشهرزاد؟