نعود إلى الأرض التي نجاهد كي لا نخسر المزيد منها ولاستعادتها وتكريس حق أبنائها عليها. هي أرض فلسطين المحتلة من قبل دولة الإرهاب إسرائيل، التي تسعى إلى مزيد من التوسع، فتمارس التدمير المنهجي المبرمج لمنازل الفلسطينيين وتحتل أرضهم وتهجرهم وتبني المجمعات السكنية عليها، لأنها "أرض اليهود"، ولأن الدولة يجب أن تكون دولة يهودية مما يهدّد وجود غير اليهود المقيمين عليها، وهم أصحابها في الأساس. لماذا هذه العودة اليوم؟ لأن وزارة شؤون المتقاعدين الإسرائيلية استحدثت مؤخراً دائرة جديدة غايتها البحث عن أملاك اليهود الذين هاجروا من الدول العربية واستعادتها، معلنةً أن من بين هذه الأملاك أراضي وبيوتاً وحتى آبار نفط! وتقدّر الوزارة أن عدد اليهود الذين هاجروا من الدول العربية إلى إسرائيل بعد قيامها يبلغ نحو مليون يهودي حتى اليوم. وتعتبر الوزارة هؤلاء "لاجئين فقدوا أملاكهم التي يصل حجمها إلى عشرات المليارات من الدولارات". وقد بدأت الدائرة المذكورة الإعداد لتقديم دعاوى قضائية لاستعادة الأملاك في الدول العربية، وذلك على غرار الدعاوى، التي أقيمت في الماضي لتمكين اليهود الذين هاجروا من أوروبا في أعقاب المحرقة النازية من استعادة منازلهم. وبالتفصيل، أفادت معلومات الوزارة، أن العراق هي الدولة المركزية التي يتجمع فيها عدد كبير من الأملاك التابعة لليهود، إذ ثمة 130 ألف يهودي تركوا هناك أملاكاً يصل حجمها إلى 10 مليارات دولار. أما الذين هاجروا من الدول العربية فتقدرهم حسب الآتي: 130 ألفاً من العراق، 120 ألف من إيران، 103 آلاف من تونس، 55 ألفاً من اليمن، و 20 ألفاً من سوريا وخمسة آلاف من لبنان. وتدعي الوزارة أن الأملاك التي تركها هؤلاء تشمل البيوت والحوانيت والمصالح التجارية والحسابات المصرفية إضافة إلى مؤسسات عامة مثل كنس وقاعات وملاجىء للمسنين، كما يدعي أحد الإسرائيليين أن لديه وثائق تثبت أن جدّه الذي جاء من إيران ترك سبع آبار نفط! وتتحرك الوزارة الآن لإعداد ملفات شخصية تتضمن كل هذه المعلومات للمطالبة بـ "تعويضات على المسّ بحقوق اليهود من خلال سحب مواطنتهم وسلب حريتهم ومنعهم من الدراسة وحقوق التقاعد التي لم تدفع، وتدنيس قبور وفصلهم من أعمالهم على خلفية عنصرية". وبعد ذلك سيتم إعداد ملف قضائي لكل واحد من "اللاجئين" اليهود وتقديم دعاوى لاستعادة الأملاك مباشرة أو عبر طرف ثالث! المسألة في غاية الخطورة. وقد تناولناها في أكثر من دراسة ومقال. لكن هذه المعلومات لا تؤكد التحليل والقراءة التي عبّرنا عنها سابقاً وهي تقول بأننا سنكون في التفاوض مع إسرائيل على أبواب استحقاق يكون لإسرائيل فيه وفي ذمتنا حقوق كثيرة وأموال وفيرة! بل ها نحن ندخل مرحلة التنفيذ! إسرائيل تدعي أن عدد اللاجئين الفلسطينيين هو فقط 750 ألفاً الذين "هاجروا" فلسطين عام 1948. وهي بذلك تناقض الأرقام الحقيقية التي تقرها "الأونروا" الوكالة الدولية المعنية بأمر هؤلاء اللاجئين، ولذلك فإن إسرائيل تشن هجوماً مركزاً على هذه الوكالة وتدعمها أميركا في عدم مدّها بالإمكانات المطلوبة وتعمل جهات أساسية فيها لاستصدار تشريعات لإلغاء الأونروا التي تعتبر عدد اللاجئين الفلسطينيين يتجاوز الخمسة ملايين لاجىء. وبالتالي تأتي إسرائيل لتقول اليوم لديكم 750 ألف لاجىء، ولدينا مليون "لاجىء" يهودي. اليوم تستخدم كلمة "لاجىء" لتوصيف وضعية اليهود الذين تركوا الدول العربية طوعاً، وتحت عناوين جاذبة من إسرائيل التي كانت ولا تزال تعمل لاستقطابهم، لأن الأرض هناك هي أرض الميعاد، وتلك الدولة هي دولتهم. إذاً لا عودة للفلسطينيين. والدولة هي دولة اليهود. فما العمل؟ سيكون تفاوض. في التفاوض تأتي إسرائيل وتقول: لدينا عدد لاجئين يهود أكبر من عدد اللاجئين الفلسطينيين، هذا أولاً. ثانياً، تطالبون بتعويضات مالية. أهلاً وسهلاً. عددنا أكبر فنحن لنا تعويضات أكثر. وبالتالي لن يكون لكم عندنا شيء. في عملية المقاصة هذه أنتم العرب، خاسرون. ولا تقف المسألة عند هذا الحد. إذ ثمة الأملاك والحقوق وصولاً لاستصدار قرارات تطالب بتعويضات لليهود مثل أوروبا. يعني استنزاف للمال العربي أو الإسلامي مفتوح! وبالتالي يجب أن ننتظر أن لا عودة للاجئين الفلسطينيين ولا تعويضات، لأن ما سيبقى لهم لا يوازي شيئاً مما سيعطى للإسرائيليين! ويتزامن كل ذلك مع توطين 300 ألف يهودي في النقب بعد تدمير منازل سكان هذه المنطقة وتهجيرهم واستمرار عمليات التوسع والاستيطان في كل المناطق الفلسطينية. الأرض لنا. هي "أرض الميعاد". هكذا يفكرون ويتصرفون وجزء من أرضكم لنا. وجزء من ممتلكاتكم لنا. وما لكم في النهاية لنا. فماذا يبقى لنا كعرب؟ في كل مرحلة تنكشف فصول جديدة من هذا المشروع. أما آن الأوان لقراءته والتبصّر بأبعاده وأخطاره واتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهته قبل أن تحقق غايتها من ورائه؟ ينبغي التأكيد على دور "الأونروا"، وتوفير الدعم لها، وتحضير الملفات الكاملة لمواجهة هذه الحملة الإسرائيلية الخطيرة في كل دولة من الدول المعنية ثم القيام بحركة عربية إسلامية دبلوماسية وسياسية وإعلامية مكثفة لدحض هذه المزاعم، وتأكيد حق العرب والمسلمين على أرضهم.