طرْق قوي وشديد على الباب، أنظر إلى الساعة -السادسة صباحاً، ما اليوم؟ الخميس 2-8-1990، ليس يوم السكارى والإزعاج في مدينة مانشستر البريطانية. ترى مَن الطارق؟ أهرع إلى الباب، صديقي السوداني جعفر علي: "اصْحَ يا زول العراق احتل الكويت". بين النوم والصحو، أكرر سؤالي باستهزاء: "شنو تقول يا أخي؟"، ويكرر عبارته فأرد عليه رافضاً: "روحْ زين، معقوله؟". أفتح التلفزيون: القوات العراقية تجتاح الكويت وتحتلها وتعلن أنها ساندت ثورة وانقلاباً بها والاتصالات تتقطع مع الكويت. أتلفَّت حولي، أتأكد من أنني صحوت من النوم. تتأكد الأخبار، وتتأكد من أنك لم تعد نائماً. تمنيت لو كان كابوساً. أنزل إلى الشارع بحثاً عن هاتف فلم يكن عندي هاتف في شقتي، أتصل بالكويت لكن الخطوط مقطوعة. تتوالى الأحداث، ويستمر الشعور بين الحقيقة والخيال. الجيوش الدولية تحتشد بالمنطقة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ويستمر احتلال القوات العراقية للكويت سبعة أشهر عجاف، وتندلع حرب "عاصفة الصحراء" لتحرير الكويت. تحررت الكويت، لكن المنطقة لم تعد كما كانت منذ ذلك اليوم الأسود في الثاني من أغسطس عام 90، فقد أصبحت منذ ذلك اليوم خاضعة للتدويل والحماية الدولية -بشكل أو بآخر، وقاد احتلال الكويت إلى احتلال العراق لاحقاً ولا زال رسميّاً تحت الاحتلال والوصاية الدولية، وبلا حكومة منذ مارس الماضي. دولة عربية مسلمة احتلت دولة عربية مسلمة أخرى ومسحتها من الخريطة! انصرف نضال العرب منذ عام 1967 على انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. نزيل بلداً عربيّاً مستقلا ونحن نطالب بخلق آخر؟ بعد غد الاثنين تمر الذكرى العشرون لاحتلال العراق للكويت عام 90، وتمر معها ذكرى مشاهد العجز العربي في وقف عدوان العربي على أخيه العربي، والتدخل الدولي الذي فرض تدويل المنطقة وأعلن وفاة التضامن العربي واتفاقية الدفاع العربي المشترك وجامعة الدول العربية -وإن بقيت شكلا. رفض صدام حسين كل دعوات العقل، وغرّّر به جنون العظمة وغوغاء الشارع العربي ومظاهرات المحبطين وخطب المفلسين وشعارات الحانقين: "بالكيماوي يا صدام، من الخفجي للدمام!" وأغوى زعماء وساسة عرب صدام حسين برفض الانسحاب من الكويت دون قيد أو شرط، وتراكمت الخطب والكتابات المساندة لصدام وجيشه، ذاك يوهمه بأن حرب تحرير الكويت لن تندلع، وآخر يفصل له أنه منتصر لا محالة لو اندلعت، وقامت الحرب، وخسر العراق جيشه، واحترقت الكويت بنفطها شهوراً طويلة، وراح الكويتيون والعراقيون يلعقون جراح القهر والظلم التي أحدثها ديكتاتور لم يكن يستمع إلا لنفسه ومؤازريه. تدور الأيام، ويستعرض الواحد منا المشهد: ترى! ما الذي تعلمناه كأمة من دروس جراء ذلك العدوان الغادر وما جرّه من ويلات ووبال علينا؟ هل يمكن أن يتكرر غزو آخر سواء للكويت أو لغيرها من طرف دكتاتوريينا الذين لم يغادروا مسرح الأحداث منذ ذلك العام المشؤوم؟ جروح الكويتيين لم تندمل بعد على إثر ذلك العدوان، وجروح العراقيين أعمق وأشد ولا تزال تنزف دماً وتنز قيحاً وصديداً، والمنطقة لا تزال تروج وتموج، وطبول الحرب لا يزال يقرعها المرتزقة وتجار الحروب، والدروس المستقاة غائبة عن أمة لا زالت شخصيات المشهد عام 90 أبطال العرض في عام 2010. عشرون عاماً مرت والسودان في حرب داخلية، ولبنان على فوهة بركان، واليمن توحد ثم تعثر، وأبطال المشهد لا يزالون على عروشهم قابعين. لا زال طرق جعفر على الباب يوم 2-8-90 يهز مسامعي إلى اليوم!!