عادة ما كان يطلق على وسائل الإعلام في التعبيرات الدارجة وصف "السلطة الرابعة"، اعترافاً بقدراتها الهائلة على صناعة وتشكيل توجهات الرأي العام، على نحو يعطيها ضمنيّاً سلطة، يفهم من الترتيب الكلاسيكي هذا أنها تأتي "رابعة" في الأهمية بعد السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولكن ذلك العهد، الذي تعرف فيه وسائل الإعلام حدود دورها وأين ينبغي أن يتوقف، قد ولَّى الآن تماماً بكل أسف، حيث أصبح بعض بيروقراطيي ومقدمي برامج الإعلام المرئي تحديداً يتصرفون أحياناً كثيرة كما لو كانوا هم السلطة الأولى... والأخيرة!، وبكيفية تتكاثف بها في أيديهم وأذهانهم أوهام من فائض السلطة والسطوة، تحتاج إلى كثير من الجهد والبحث لتفكيكها ووضعها في سياقات مفهومة! هذا ما يذهب إليه الكاتب الفرنسي ألكسندر لاكروا مؤلف الكتاب الذي نقترح أدناه قراءة خاطفة لمضمونه، وعنوانه: "التلفياثان"! ولابد من الإشارة ابتداءً إلى أن هذا العنوان نفسه صيغ وفق لعبة لفظية ماكرة، تم فيها دمج عبارتي "التلفزة"، و"الليفياثان" أي التنين أو الوحش الكاسح! ولا حاجة للتذكير بأن في هذه الكلمة الأخيرة (الليفياثان) إحالة ثقافية تستدعي في المخيال الغربي الكثير من الكوابيس والمخاوف المروعة، وقد ألف عن وحش "الليفياثان" الأسطوري الكثير من الكتب من أشهرها استدعاء الفيلسوف الإنجليزي له عنواناً لكتابه "الليفياثان" الصادر عام 1651، الذي قدم فيه نظرية سياسية مشهورة في العقد الاجتماعي تقوم على مبدأ أن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"! ولكتاب ألكسندر لاكروا هذا قصة أخرى -غير طريفة- تستحق هي أيضاً أن تروى بكل تفاصيلها ومراراتها، لكونها هي الدافع الأصلي لتأليف هذا الكتاب السجالي، من الأساس. ففي يوم 12 مارس الماضي استدعي لاكروا، باعتباره كاتباً وصحفيّاً ورئيس تحرير لمجلة "الفلسفة" الشهيرة في فرنسا، للمشاركة كـ"ضيف" في برنامج تلفزيوني في استديوهات القناة الفرنسية الثانية، للتعليق على برنامج "تلفزيون واقع" شهير يسمى "لعبة الموت"، ومنذ البداية لاحظ "لاكروا" أن مقدم البرنامج "كريستوف هادليت" يتصرف بشكل استعراضي "استنطاقي" في حواره مع أحد ضيوف الحلقة، وبشكل أراد من خلاله التدخل في أخص تفاصيل حياته الخاصة، التي قد لا يكون مستعداً لاستعراضها أمام الجمهور العريض! وعندما جاء دور المؤلف للكلام عبر في البداية عن شعوره بالصدمة بسبب هذا التعدي على الحياة الخاصة، ولكن بمجرد أن لفظ هذه الكلمات الناقدة حصل أسوأ ما كان متوقعاً دفعة واحدة ودون مقدمات، فقد وقف مقدم البرنامج غاضباً مزمجراً: "اخرج... اخرج من هنا"، وليته اكتفى بذلك، بل إنه دار دورة كاملة حول الطاولة وقال مهدداً وطالباً العراك بالأيدي: "تعالَ، لابد أن نتفاهم، أنا وأنت، وجهاً لوجه"! وبعد تهدئة الأوضاع واحتواء فوضى الشجار في الاستديو تم تسجيل البرنامج أخيراً، وحذفت منه الملاسنة قبل البث لكونه غير "مباشر"، ولكن في اليوم التالي كتب "لاكروا" عموداً في صحيفة ليبراسيون حول هذه الواقعة، لتنفتح عليه بذلك جميع أبواب الجحيم، من خلال كل ما يمكن تصوره من أشكال الضغط والاستبعاد والتشويه، لأنه تجرأ وانتقد بعض أباطرة عالم التلفزيون! ومن هنا قرر الكاتب تدبيج هذا الكتاب الهجائي، لتعرية فائض السلطة والقوة الذي يشعر به بعض مقدمي البرامج وبيروقراطيي عالم "الميديا" المرئية بصفة خاصة. وفي تضاعيف كتابه ينبه المؤلف إلى أن تعاظم قوة وسلطة الإعلام التلفزيوني أصبح يحمل معه من التبعات السلبية ما يفرض إعادة مساءلته، بغية وضعه في مكانه المناسب. ففي أيامنا هذه يكفي فقط أن تثير التلفزة موضوعاً، كائناً ما كان، لكي يأخذ مكاناً محوريّاً في المشهد السياسي الفرنسي، هذا إن لم يبادر رئيس الجمهورية نفسه إلى الاشتباك مع هذا الحدث، واقتراح إصدار قانون بشأنه! ولا عجب في ذلك في بلاد يمكن للمرء فيها أن يتهجم على أي وزير، أو نائب، أو قاضٍ، أو حتى ساركوزي نفسه، دون أن يخشى في ذلك لومة لائم، ولكن، حذار... ثم حذار، من إبداء أية ملاحظات نقدية، من أي نوع، ضد أحد "الميديوقراط"! وإذا فعل الإنسان ذلك، وعبَر الخط الأصفر، وتحفظ على تصرفات مقدم أحد البرامج، أو طريقته في إدارة الحوار، فلا يلومن إلا نفسه، فسيكون على موعد مع حملة تلفيق وتشويه وتمزيق، سيخرج منها حتماً برأس غير مرفوعة! لقد أصبح مقدم البرامج التلفزيونية في فرنسا، يقول الكاتب، ملِكاً غير متوج! فهو وحده من يقرر ما يبث وما يمتد إليه مقص الرقيب، وويل، ثم ويل، لمن يحاول، أو تحاول، اتخاذ مواقف مستقلة عن وجهة نظر المقدم، أثناء الحوار، لأنه سيكتشف، في هذه الحالة، حجم الأذى الذي سيلحق به، وسيعرف أن أذرع "الصحفيين"، أصبحت طويلة، طويلة جداً. وليس هذا فقط، بل إن المؤلف نفسه، في غمرات خصومته، أصبح مستبطناً، لنوع من "فوبيا" التلفزيون (التلفوبيا) بشكل دفعه لدعوة القراء إلى تكسير شاشاتهم الصغيرة والتخلص من سحرها وإغوائها، هذا مع أنه هو نفسه -للمفارقة- لا يمتلك أصلاً تلفزيوناً، ويؤكد أنه لا يرى بتاتاً البرامج المرئية منذ زمن بعيد! لماذا؟ لأن الشاشة الصغيرة فرقت بين المرء وزوجه، وبين الآباء وأبنائهم، حسب رأيه! ولذا فإن أفضل الحلول لكي نحيا حياتنا ونحافظ على تواصلنا، هي أن نتخلص اليوم من أجهزة التلفزيون، مرة واحدة وإلى الأبد. ولكن المؤلف مع ذلك يعترف بأن التلفزة ليست وحشاً قابلاً للترويض بهذه السهولة، بل إنها في نظره تبدو أشبه بعلبة الشيكولاتة، التي لا نستطيع مقاومة العودة إليها في كل مرة، حتى لو كنا نشعر بأن كثرة التردد عليها تصرف خاطئ. أخيراً، مع أن هذا الكتاب يثير موضوعاً بالغ الأهمية والحساسية، حيث يسجل انتفاضة أو بالأحرى مقاومة معلنة من صحفي كلمات- فيلسوف، منتمٍ إلى حقل ثقافي بعيد عن عالم الصورة والتلفزيون، ضد ممارسات بعض مقدمي الإعلام المرئي، إلا أنه مع ذلك وقع أحياناً كثيرة في فخ التبسيط والسذاجة الحالمة، كما أن معظم مقاربته يمكن أن يتهم بالتأملية والطوباوية. أما مفارقته للواقع فهي تحصيل حاصل. حسن ولد المختار الكتاب: التلفياثان (التلفزة - التنين) المؤلف: ألكسندر لاكروا الناشر: فلاماريون تاريخ النشر: 2010