مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط المعسكر الشيوعي تعالت بعض الأصوات في الغرب مبشرة بنهاية التاريخ وانتصار الليبرالية الديمقراطية كنموذج عالمي مهيأ لاكتساح العالم وتحقيق النمو والرخاء للدول، بل والأهم من ذلك تخليص الغرب من عقود طويلة من الصراع الأيديولوجي لكي يلتفت إلى استحقاقات العولمة، ولكن بعد مرور كل هذه السنوات على إطلاق الوعود الديمقراطية ومحاولات "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة للترويج لها ونشرها حول العالم يأتي الكتاب الذي نعرضه اليوم للاقتصادي البريطاني "بول كولير" بعنوان "الحروب والسلاح والانتخابات: الديمقراطية في الأماكن الخطرة" ليفند ادعاء مروجي الديمقراطية، وليشرح كيف يمكن لهذا النظام الذي بات رديفاً للانتخابات لدى المسؤولين في الغرب أن يتحول إلى أحد عوامل زعزعة الاستقرار في الدول الهشة التي لم تطور بعد مؤسسات مجتمعية قوية قادرة على احتضان الفكر الديمقراطي وترجمته عمليّاً إلى ازدهار اقتصادي واستقرار سياسي. وينطلق الكاتب لتوضيح رؤيته من عدة نماذج منتشرة حول العالم مثل روسيا التي تبنت في عهد غير بعيد ديمقراطية الواجهة الحريصة على تنظيم انتخابات دورية، ولكنها في الوقت نفسه تضيق الخناق على حرية الصحافة وتلاحق المعارضة، كما تركز السلطات في يد الكرملين على حساب الأقاليم التي بات المسؤولون عنها يُعينون مباشرة من قبل موسكو بدل انتخابهم من قبل الشعب في تراجع واضح للديمقراطية. والأمر طبعاً لا يقتصر على روسيا، بل يمتد إلى بلدان أطلق عليها المؤلف في كتاب سابق اسم "مليار الحضيض" في إشارة إلى الدول الفقيرة التي تضم مجتمعة أكثر من مليار نسمة، ولكنها تعاني من الفشل في خلق بيئة ملائمة لانتعاش الديمقراطية واستتباب الأمن والاستقرار في الوقت نفسه، على رغم مظاهر ديمقراطية سطحية لا تنفذ إلى عمق المجتمع ولا تؤثر فيه على النحو المرغوب. ويرجع الكاتب هذه المسرحية التي تنخرط فيها العديد من الدول الفقيرة، لاسيما في أفريقيا، إلى الغرب نفسه الذي فشل في إنزال مطالبه الديمقراطية على أرضية صلبة قائمة على المصداقية، بل أسسها على مصالح اقتصادية واستراتيجية غالباً ما تقود الدول الغربية إلى التغاضي عن غياب الديمقراطية في تلك البلدان حفاظاً على مصالحها الضيقة؛ وبدلا من التركيز على عناصر الديمقراطية الحقيقية مثل حرية الصحافة وتعزيز المجتمع المدني الواعي بحدود حقوقه والمدافع عنها، وتكريس حكم القانون وتثبيت آلية واضحة لفرز الأصوات وضمان الشفافية، يحصر الغربيون اهتمامهم في تنظيم انتخابات يسهل تزويرها ويقنعون أنفسهم بوجود ديمقراطية لا تتجاوز في الحقيقية الواجهة الأمامية التي تسعى إلى تلميع صورة النظام الخارجية. وهكذا يلاحظ الكاتب أن ما تحصل عليه بعض البلدان النامية هو عكس ما يُنتظر من الديمقراطية التي يفترض فيها تكريس وحفظ الاستقرار وتدبير الاختلاف بين أطراف المجتمع المختلفة، وفي الأخير تؤدي هذه الديمقراطية المصطنعة التي يتغاضى عنها الغرب إلى تأجيج الصراع وتغذية عدم الاستقرار. وحسب الكاتب تقود الديمقراطية المنشغلة بالمظاهر على حساب الجوهر والمهتمة بعملية انتخابية ناقصة في أغلب الأحيان إلى "زيادة العنف السياسي بدل تقليصه والحد منه"، فبدون قواعد واضحة وتقاليد ديمقراطية راسخة، وفي ظل غياب تام لنظام المراقبة وتوازن السلطات لحماية الأقليات وتوزيع عادل للموارد وسيادة حكم القانون والمساءلة القضائية تعجز حكومات الدول الفقيرة التي قد تعتبر نفسها "ديمقراطية" عن منع التمرد بسبب افتقادها للمصداقية. وينتقل تداول السلطة من كونه مسألة عادية لتناوب الأحزاب السياسية على إدارة دفة البلاد إلى قضية حياة أو موت، لأن المنتصر بدلا من أن يسعى إلى خدمة الصالح العالم يتفانى في إدامة سلطته وإطالتها ما أمكن من الزمن فيما يتم إقصاء معارضيه، أو التنكيل بهم أحياناً. ومع أن الأطراف المتصارعة في بلد ما قد تلجأ إلى تدبير اختلافها سياسيّاً عبر القنوات الانتخابية، إلا أن الصراع يعاود الظهور مجدداً ما أن تنتهي الانتخابات ليرفض المنهزم النتائج، فيما قد يلجأ الطرف المنتصر الذي استخدم الرشاوى وبالابتزاز إلى تكريس حكامة سيئة لأن ما يهمه في النهاية هو الاستفادة من السلطة وليس تسخيرها لإفادة الجميع وخدمة الشأن العام كما هو مفترض. ومن العوامل الأخرى التي يوردها الكاتب باعتبارها أحد مثبطات الديمقراطية الحقيقية في البلدان النامية الانحياز إلى الهويات الإثنية المختلفة في الدول المتعددة عرقيّاً، وهو ما يعفي بعض القادة من المساءلة لأن ما يهم الناخب في مثل هذه الحالات هو الانتماء العرقي وليس كفاءة المسؤولين. ويلفت الكاتب النظر إلى أنه في الحالات التي تغلب فيها السياسات المستندة إلى الهوية على السياسات الموحدة لأبناء الوطن، لا يجدي النظر إلى المشاركة الكثيفة للناخبين والتعامل معها على أنها إنجاز لأنها في المحصلة النهائية ليست أكثر من تعبير رمزي عن حرية مكبوتة دون أن يعني ذلك إفراز حكومة فاعلة، أو ظهور كفاءات وطنية قادرة على إدارة الشأن العام تماماً كما لوحظ في العراق الذي ظل يعاني مواطنوه من غياب الخدمات الضرورية حتى بعد الاستقرار النسبي للنظام السياسي بعد انتخابات عام 2005. ولذا يرى المؤلف أنه لكي تنتعش الديمقراطية في البلدان النامية يتعين عليها أولا "أن تقوض تدريجيّاً الهويات الإثنية وتستبدلها بهوية وطنية"، ومع أن الموارد الاقتصادية تساعد أحياناً في دعم الديمقراطية، ولكن في حالة الدولة التي تمزقها الاختلافات العرقية تصبح تلك الموارد عاملا مؤججاً للصراع وعنصراً مشجعاً على الاستئثار بالسلطة. زهير الكساب ----- الكتاب: الحروب والانتخابات: الديمقراطية في الأماكن الخطرة المؤلف: بول كولير الناشر: هاربر كولينز تاريخ النشر: 2010