أصدرت مؤخراً دار النشر الإيطالية، "إينودي"، كتاباً يحمل عنواناً مثيراً للاهتمام. وقد تكون ترجمة العنوان إلى اللغة الإنجليزية على النحو التالي: "عذراً، لقد جئت باكراً، إذ كان الوضع هادئاً"! وبالنسبة للقراء الذين قد لا يدركون على الفور المعنى المقصود، فإليهم العبارة الشائعة المقابلة للعبارة السابقة، ولكن ذات المعنى المعكوس: "عذراً، لقد تأخرت، ولكنني واجهت عراقيل كثيرة". ولا شك في أنّ قراءة هذا الكتاب ممتعة، على كل حال، على رغم عدم وضوح بعض الدلالات المباشرة لمثل هذه العبارات الفضفاضة والصيغ الدارجة في الحديث اليومي، بالنسبة لمن لم يتعودوا عليها، أو من قد يواجهون مشكلات في فن المحادثة والاتصال بالغير. وبمجرد أن تنتهي من قراءة هذا الكتاب، قد تستوحي منه وتنشئ أنت أيضاً بنفسك بعض العبارات "المعكوسة رأساً على عقب"! وغالباً ما يستخدم الناس مثل هذه العبارات الفضفاضة بشكلها العادي في المحادثات اليومية. وهي غالباً ما تعكس حقيقة واضحة وبديهية حتى لا أقول مبتذلة، ولكن مع ذلك ما من سوء في قول الحقيقة، حتى وإن كان الجميع يعرفونها. والواقع أنّ لهذه العبارات وظيفة مجاملة في اللغة. وعبارات المجاملة (توضيحاً للقراء الذين لم يطلعوا على أعمال اللغوي الروسي الأصل، رومان جاكوبسون)، هي تلك العبارات المستخدمة وحدها بهدف إنشاء علاقاتٍ اجتماعية مع شخصٍ آخر. ويُعرف هذا الصنف من الكلام أيضاً بـ"المحادثات الصغيرة"، وهو عادةً لا ينقل أية معلومات مهمة أو أسئلة مفيدة. فعلى سبيل المثال، عندما نلتقي بأحدهم في الشارع أو في الرواق، قد نقول له عرضاً "كيف حالك؟" ولكننا لسنا بحاجة إلى معرفة الإجابة؛ وإنّما نسأل فقط بهدف إنشاء اتصال اجتماعي، قبل أن يمضي كلّ منا في طريقه. وتجدر الإشارة إلى أنّ للصيغ المبتذلة في الكلام العادي وظيفة المجاملة عينها لأنها قد لا تطلع الشخص الآخر على مسائل لا يعرفها مسبقاً (مثلاً عبارة: "لاشك أنّ الطقس ليس كما عهدناه!"). فالهدف هنا من هذه العبارة هو إنشاء علاقة لطيفة ومؤقتة مع شخصٍ آخر من خلال الإشارة إلى أنّنا نرى الأمور كما يراها هو، أو تراها هي، لكي تنعقد الألفة والتواصل الوجداني والتعاطف الرمزي بيننا وبينه. وكلّما تقدّمت شخصيّاً في السن، أميل إلى فقدان الصبر في إنشاء علاقاتٍ مع أشخاصٍ يثيرون غضبي، إلا إذا كانوا غرباء تماماً. وفي حالاتٍ مماثلة، ولتجنّب حدوث مشاكل محتملة مع سائقي سيارات الأجرة، والبوابين وبائعي الصحف والسائقين، أتبادل معهم عادة ملاحظات "عميقة" حيال الحياة أو الطقس. ونظراً إلى أن محادثتنا تشير عادة إلى أنّني أرى الأمور تماماً كما يرونها، فإنهم غالباً ما يعتبرونني جديراً بالاحترام؛ وبالتالي، يصبحون أكثر تعاوناً، وربما أكثر تحملاً. فيرون أنّني لا أحمل الأخبار أو الآراء المخالفة، فلا يتكلّفون العناء في سؤالي عن معلومات سرية أو شائكة أو يحاولون الانخراط معي في محادثات أو جدالات عقيمة مطوّلة، لا طائل من ورائها. والأكثر أهمية من ذلك، ونظراً لاعتقادهم بأن آراءنا تصبّ في الاتجاه عينه، فإنهم يتكرمون عادة فلا يسألونني أيضاً عن رأيي حيال قضايا غير مريحة مثل قضية انسحاب إيطاليا المبكر من كأس العالم الأخيرة لكرة القدم (ولا شك في أنّ هذه المسألة بالذات تجعل المرء يتميز من الغيظ). وبالتالي، تساعدنا هذه العبارات الشائعة الماكرة على تجنّب الاحتكاكات والتفاعلات -وهي، بهذا المعنى، تنقذ حياة الأشخاص أمثالنا، الذين هم في هذا العمر من التواصل المستقر، ويفضلون الصمت والوحدة وراحة البال، بعيداً عن زوابع وتوابع القيل والقال. أمبيرتو إكو ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز" محمود