بعد أن زالت الغمامة السوداء التي استمرت على مدى قرن ونيف تُعمّي كثيراً من الحقائق التاريخية التي شهدها تاريخ العلاقات العربية التركية، وتلقي ظلالها الداكنة على المشاعر الشعبية عند الأمتين بات ضرورياً أن يعيد العرب والأتراك قراءة تاريخهم المشترك، وأن يكتبوه برؤية خالية من التأثيرات السلبية التي فرضتها ظروف العقود الأخيرة من العهد العثماني الذي شهد انهيارات متتالية منذ أن اندست الحركة الصهيونية في جسد الدولة، وقد دب فيه الضعف وتكالبت عليه قوى غربية صاعدة بدأت تنهش فيه، وبرزت قوى جديدة تبث التفرقة وتثير الحساسيات والنعرات العرقية والطائفية حتى أنهكت قواه وأطلقت عليه اسم الرجل المريض، وبدأت توزع تركته على دول الغرب الأوروبي التي بذلت جهوداً ضخمة لإقامة دولة إسرائيل في قلب الأمة العربية. وقد تناول المؤرخون المعاصرون بإسهاب دور هذه الحركة الصهيونية في تمزيق الدولة العثمانية، وكان قد دب فيها فساد جعلها قابلة للانهيار، وشهد العرب والأتراك معاً في نهاياتها تداعيات كبيرة لما تسلل إلى قياداتها من ضعف، ولم يستطع السلطان عبد الحميد الثاني أن يوقف الانهيار، ولم تترك له فرصة لإكمال مشروعه النهضوي الذي بدأه بإعلان الدستور الذي أفاد فيه من دساتير فرنسا وبلجيكا وسواهما من بلاد الغرب في رؤية إصلاحية منفتحة عبر عنها اختياره للإصلاحي مدحت باشا صدراً أعظم للدولة، ثم بناؤه خط السكة الحديدية التي ربط بها قطار الشرق السريع بين أوروبا وأسطنبول لتمتد عبر الخط الحجازي إلى المدينة المنورة عبر دمشق، وجعل هذا الخط وقفاً إسلامياً لا يدخل في موازنة الدولة. ولكن رؤى عبد الحميد الإصلاحية أخفقت بسبب موقفه من الصهيونية، التي تمكنت من تحطيمه وخلعه عام 1908، وسرعان ما انهارت الإمبراطورية وأصبحت أشلاؤها مضغاً في فم الاستعمار الغربي، وكان العرب قد تضرروا كثيراً من الضعف والتمزق، الذي سبق الانهيار حيث ظهرت العصبيات القومية والعرقية. وكان طبيعياً أن يلتف العرب حول عروبتهم، وأن يعيدوا النظر في عقدهم السياسي والاجتماعي مع شركائهم التاريخيين، وأن يتطلعوا إلى الانفصال عن الدولة العثمانية التي بدأت تحتضر. ليقيموا دولة عربية تستعيد مكانتهم الحضارية التي تخلوا عنها بعد انهيار دولتهم العباسية التي غزاها المغول والصليبيون معاً فوقف الأتراك مدافعين عن الإسلام فيها. وهنا أتذكر قول ابن خلدون، الذي أشاد بالأتراك ورأى تدخلهم لإنقاذ الإسلام لطفاً من الله، فهم الذين بنوا بعد سقوط الدولة العربية دولاً مسلمة تحافظ على الدين العظيم، فكانت دولة بني سامان وراء النهر، ودولة بني سبكتين ودولة بني طولون، ثم ظهرت الدولة السلجوقية ونهضت دولة خوارزم، ودولة بني زنكي في الشام والموصل، وقد تمكن الأتراك من لم شمل الأمة الإسلامية وفيها العرب والترك والأكراد والشركس وسواهم من الشعوب المسلمة، التي لم تكن تفرق بين عربي وأعجمي. وكانت تعطي ولاءها لمن يخلص للأمة، ولمن يدافع عن حدودها وحقوقها وكرامتها، ولمن يحقق العدل فيها، فتوحدت قواها خلف قادة عظام من أمثال عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين والظاهر بيبرس. وقد تمكنوا من دحر الصليبيين في حطين والمغول في عين جالوت، وبالطبع لا ننسى نحن العرب موقف الأتراك العظيم في الدفاع عن المغرب العربي في مطلع القرن السادس عشر بعد سقوط الأندلس فهم الذين قادوا نضال الشعب العربي في المغرب ضد هجوم الإسبان والبرتغاليين يومذاك. وقد تمكن الأتراك من تحرير الجزائر ومن يريد مزيداً من التفاصيل فليقرأ تاريخ الأخوة عروج وإلياس ومحمد وخير الدين بربروس، وقد طبقت شهرتهم الآفاق، يوم أنقذوا آلاف المسلمين وحرروا الجزائر وتلمسان، التي استشهد بابا عروج وهو يدافع عنها، كما استشهد أخوه إلياس وهو يحرر مستغانم. ولا أريد إسهاباً في سرد تاريخ يطول، لكنني أريد الإشارة إلى عظمة هذا التاريخ المشترك بين العرب والترك ، الذي شهد انتكاسة منذ أن تراجع دور الإسلام، فلم يعد واسطة العقد التي تربط بين المتحالفين، وإنما أصبحت العصبيات هي الحاكمة، وكان مفجعاً أن يتمكن الاستعمار الأوروبي من اصطياد أحلام العرب الذين تطلعوا إلى بناء دولة عربية موحدة مستقلة عبر ثورتهم العربية الكبرى التي سرعان ما وقعت في الفخ البريطاني الذي تقاسم مع الفرنسيين بلاد الشام والعراق، واستكمل المستعمرون الجدد استيلاءهم على الوطن العربي، في وقت احتدم فيه التنابذ بين العرب والأتراك، وقد بقي الطرفان على مدى عقود أسرى حوادث مؤلمة وتداعيات محزنة، فالعرب لا ينسون ما فعل جمال باشا بأحرارهم وقد سموه السفاح، والأتراك لا ينسون أن العرب قاموا بثورة عربية ضدهم وتحالفوا مع الغرب... وهكذا اتسعت الهوة بين الأمتين وكتب كل منهما تاريخ ما حدث بينهما من فراق ضمن رؤية ظرفية، اكتظت فيها الذاكرة بالأحداث المأساوية التي ضغطت على الوجدان العام، وجعلته يفقد الموضوعية في تقويم أكثر من ستة قرون من التاريخ المشترك، ومن الجهد الدؤوب لاستعادة مكانة الحضارة الإسلامية في وقت كانت فيه أوروبا تشهد ذروات نهضتها العلمية، ونسي العرب والأتراك معاً كثيراً من الإيجابيات التي جعلتهم ينصهرون في أمة واحدة، وتوقفوا عند رؤية السلبيات وحدها. وقد حدث التباعد السياسي، حين تحالفت تركيا مع الغرب بدءاً من عام 1923، ونأت عن محيطها العربي والإسلامي والمسيحي، ووقعت في صدام مع بعض جيرانها وشركائها التاريخيين، وأصبحت طرفاً في تكتلات دولية لا تنسجم مع تكوين شعبها الثقافي والعقائدي، ومع تاريخها الإسلامي، حتى جاء عام 2002 بقوى سياسية متنورة جديدة، أعادت تركيا إلى مسارها الطبيعي وإلى دورها التاريخي، وإلى محيطها العربي والإسلامي والمسيحي، ولم يكد القرن الجديد يختم عقده الأول حتى أصبحت تركيا قوة إقليمية صاعدة تمتلك رؤية متطورة في علاقاتها الدبلوماسية. وتستعيد مكانتها في قلب العالم العربي والإسلامي، وتعبر عن أصالة شعبها في حفاظه على قيم العدالة والحق، ولم يكن التغيير الذي شهدته تركيا خطاباً سياسياً نظرياً، وإنما جاء معمداً بدم أبنائها الذين استشهدوا في قافلة الحرية التي جعلت الدم التركي يمتزج بالدم العربي تماماً كما امتزج عبر القرون الماضية. ومن أجل البدء بقراءة جديدة لتاريخنا المشترك وإعادة كتابته ضمن رؤية موضوعية منفتحة على الإيجابيات، ستعقد وزارة الثقافة السورية بالاشتراك مع أرسيكا في أسطنبول مؤتمراً علمياً سيبدأ أعماله يوم الأول من (أغسطس القادم 2010) بعنوان - العرب والأتراك، مسيرة تاريخ وحضارة، والدعوة مفتوحة لكل المثقفين العرب والأتراك للمساهمة في إعادة قراءة وكتابة هذا التاريخ.