يوجد شبه اتفاق بين العديد من الدراسات الاقتصادية والمختصين في علم الاقتصاد، على أن العالم يعاني من ظاهرة لها تأثير كبير على وضع الاقتصاد العالمي، ومشاريع الدول التنموية، وهذه الظاهرة التي أخذت في الثلاثة عقود الماضية تتسع بصورة مخيفة، تكمن في "الاقتصاد الخفي" الذي حدده صندوق النقد الدولي على أنه الاقتصاد الذي يشمل، بالإضافة إلى الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، كل أشكال الدخل التي لا يعبر عنها صراحة والتي قد يتم تحصيلها من إنتاج السلع والخدمات المشروعة. وهناك اتفاق بين هؤلاء الباحثين على أن ظهور مثل هذا النوع من الاقتصاد المتعدد الأبعاد والأسباب، يرتبط بعدة عوامل أهمها الظروف التاريخية التي مر بها الاقتصاد والاختلال الذي أصابه نتيجة العولمة. لوريتا نابوليوني التي تعد من أهم خبراء العالم في قضايا غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، أصدرت كتاباً مهمّاً حول هذا الموضوع بعنوان: "الاقتصاد العالمي الخفي" تحدثت فيه عن أبعاد هذه الظاهرة وخطورتها، وحددت صورتها من خلال القوى الاقتصادية العالمية التي تتحكم في الاقتصاد العالمي، والتي لها دور مباشر ومؤثر في تشكيل هذه الظاهرة وتشكيل العالم. وما يميز هذه الدراسة هو القاسم المشترك الذي استخدمته المؤلفة لتوضيح العلاقة بين هذا النوع من الاقتصاد والاقتصاد الحقيقي والآثار المدمرة التي يخلفها على مشاريع التنمية ونمو الدول وتقدمها، وخاصة الدول النامية. فهي مثلاً تبين لنا أن الخصخصة في روسيا التي كانت ترجمة اقتصادية لبرنامج الإصلاح الذي قدمه غورباتشوف رئيس الاتحاد السوفييتي السابق، على اعتبار أنها تذكرة دخول التكتل السوفييتي السابق إلى الرأسمالية العولمية،، لم يقف عند تفكك النظام السياسي بل حول روسيا إلى مجموعة أقلية متحجرة الفؤاد، حيث أطاح بمدخرات الشعب الروسي، فوقع ثلث السكان تحت خط الفقر واتسعت مساحة الأعمال المشبوهة. وقد أكد الكاتب الروسي فيكتور إروفييف أن انهيار الشيوعية في مطلع التسعينيات لم يؤد إلا إلى جعل الناس أكثر أنانية، وبالتالي إلى حلول أزمة أخلاقية مروعة، وأن الانتصار السياسي والاقتصادي اللذين حققتهما الحرب الباردة ألقيا بشعوب دول التكتل السوفييتي المهزوم في شباك الفقر، وأرسيا أساسات الانحدار الاجتماعي والاقتصادي في وسط أميركا. وأن التردي الذي يعاني منه المنتصرون في الحرب الباردة بدأ منذ أكثر من عقد، وأن وسط أميركا اليوم عالق في قبضة الدَّين المتفاقم. ومن حيث تأثيرات الدَّين المتفاقم يطابق تأثيرات التضخم المتفاقم لجهة تغييره لمضمون الواقع وإرغام الناس على اعتناق الأوهام من أجل مجابهة التردي الاقتصادي والاجتماعي. وتقول نابولياني، المذكورة، إن صناعة البضائع المقلدة التي أصبحت تغزو العالم تحمل في داخلها الكثير من المخاطر، خاصة فيما يتصل بالاتجار بقطع الطائرات المقلدة والدواء المقلد، حيث تبين أن العديد من حوادث سقوط الطائرات كان سببه استخدام قطع غيار مقلدة. وهذا ينطبق أيضاً على الدواء المقلد، وحسب منظمة الصحة العالمية فإن واحدة من بين عشر حبوب تكون مقلدة وتباع على أنها أصلية، وتدر العقاقير المقلدة أرباحاً بقيمة 42 مليار دولار، وتقتل حوالى نصف مليون إنسان كل عام. وتؤكد الخبيرة لوريتا أن نظام الرق، وشبكات تهريب البشر سوف تزدهر في القرن الحادي والعشرين، وحسب الأمم المتحدة فإن العبودية تتنامى بمعدلات غير مسبوقة وتشير التقديرات إلى استرقاق ما يقارب 27 مليون شخص عالميّاً، أي جيل من الأرقاء المعاصرين الذين ينتجون وفقاً لمنظمة العمل الدولية، أرباحاً سنوية تقدر بحوالي 31 مليار دولار.