"احفرْ حبيبي، احفرْ"، شعار مشهور للسخرية من أنصار البيئة الذين يعارضون التنقيب عن النفط في المناطق البِكر. رفعت الشعار سارة بالين، المرشحة "الجمهورية" لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة في الانتخابات الأخيرة. ولولا "احفرْ حبيبي، احفرْ" لما تسرّب النفط في خليج المكسيك. ولولا تسرّب النفط لما علمنا بدور شركة النفط البريطانية BP في إطلاق سراح المقرحي، المحكوم بالسجن المؤبد بتهمة تفجير طائرة نقل الركاب الأميركية PAN-AM عام 1988. ولولا المقرحي لما علمنا بـ"دور النفط الليبي" في إطلاق سراحه لأسباب إنسانية نتيجة إصابته بالسرطان. ولو مات المقرحي خلال أسابيع من عودته إلى ليبيا في أغسطس الماضي، أو ثلاثة شهور كحدٍّ أقصى، حسب توقعات الأطباء البريطانيين، لما تابعنا بعد انتهاء مباريات كرة القدم العالمية حلقة جديدة من مسلسل "احفرْ حبيبي، احفرْ". العنوان المناسب للحلقة "دسيسة لوكربي" نسبة إلى موقع تفجير وسقوط الطائرة في الأجواء الاسكتلندية، ووفاة 259 راكباً على متنها، و19 من سكان "لوكربي" أصابهم الحطام المتناثر. وهذه أرقام لا قيمة لها مقارنة بالعقد بين ليبيا وشركة النفط البريطانية والبالغ 900 مليون دولار، لكنها بعد التسرب في خليج المكسيك، وعشية دورة انتخابات الكونغرس قد تكلف الشركة أكثر من خمسة أضعاف الصفقة، بل قد تكلفها حياتها. فالشركة حسب اعتراف مسؤوليها "توسطت عام 2007 لإطلاق سراح السجين". ولا معنى لاعتذارها بأن وسيطها، وهو "ضابط مخابرات بريطاني سابق لم يتوسط لأجل إطلاق سراح عبدالباسط المقراحي بالتحديد"! وعندما يكون مردود الصفقة بالمليارات لا يسأل الأميركيون "ماذا يحدث لثقوب الجبن عندما نأكل الجبن"؟ فالمهم بالنسبة لهم "الجبن"، ولتبتلع الشركة البريطانية ثقوبها طالما يحصلون على 40 مليار دولار تعويضات عن تسرب النفط في خليج المكسيك. وفي جوف الثقوب أقر كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، بعد اجتماعه بالرئيس الأميركي في الأسبوع الماضي بمسؤولية الشركة عن إحكام غلق بئر النفط المتفجرة، ومسؤوليتها عن تنظيف "اللخبطة"، وعن دفع تعويضات، لكن "هل من الصحيح إصدار تشريع يستهدف الشركة دون غيرها من الشركات"؟ الشركات المعنية أميركية تولت مقاولة إنشاء المنصة النفطية المتفجرة، ورصد عمل البئر التي تسرب منها النفط، والسؤال موجه إلى لجنة الكونغرس المسؤولة عن التحقيق في الموضوع، والمتوقع أن يتضمن عملها مشاهد هزلية من مسرحية "احفر حبيي احفرْ". وطيّرت اللجنة رسائل هزلية قبل بدئها العمل اليوم عندما طالب أحد أعضائها بأن توقف الشركة البريطانية أعمال التنقيب في ليبيا. أعقب ذلك اقتراح باستعادة المقرحي من ليبيا. ولا هزل كجدية ردود أفعال لندن على مطالبات واشنطن. مسؤول بريطاني أعلن أنهم لا يستطيعون استعادة المقرحي لأنه "لم يعد في سجن أسكتلندي، ولا توجد دعوى قضائية لإعادته"! واعتذر الهازل رغم أنفه "جاك سترو" وزير الخارجية السابق عن المثول أمام اللجنة، وأنكر بشدة علاقته بقرار إطلاق سراح المقرحي، والذي حدث، حسب ادعائه أثناء وجوده في إجازة، وعلم به عندما كان يتصفح موقع "بي. بي. سي" في الإنترنت. وافتضح هزل "سترو" عند إعادة نشر تصريحه عام 2007 حول تبليغه من قبل ضابط المخابرات السابق الذي توسط للشركة البريطانية بالخطر الذي يهدد مصالحها إذا لم ترفع الفقرة الخاصة باستثناء المقرحي من اتفاقية تسليم المحكومين مع ليبيا، فرفعها بعد أن فكر بأن "ليبيا دولة، وهذه الخطوة تساعد على إعادتها إلى الصف الدولي"! وإذا كان الإيجاز روح الهزل، كما يقول الشاعر ويليام شكسبير فالتراسل الإلكتروني عبر الإنترنت أداته المثالية. وبين رسائل أوباما التي سمح بنشرها هذا الأسبوع قطع بلاغية في الهزل. يسأل في رسالة إلى كاميرون: "ماذا بحق الجحيم هذه المصافحة التي حاولت أن تأخذني بها جانباً؟ عَنْ جَدْ، لا تحاول ذلك. لا يجوز لك أن تفعل ذلك"! وفي رسالة أخرى ينبه نائبه بايدن إلى خطئه حين حاول انتهاز فرصة اجتماعه بكاميرون في "البيت الأبيض" للحصول على أسرار فيلم "أفاتار"، معتقداً أنه كاميرون، مخرج الفيلم المشهور! "احفرْ حبيبي، احفرْ". ولا حفر أعمق مما في كتاب "قرن من الحرب"A Century Of War. مؤلف الكتاب ويليام إينغدال، مهندس نفط من تكساس بالولايات المتحدة يترسم كما في السجلات الجيولوجية قرناً من الحروب والدسائس والمضاربات والانقلابات والاغتيالات لأجل النفط، بدءاً من الحرب العالمية الأولى التي قضت على حياة 20 مليون شخص، وحتى حروب الخليج والنزاعات الدموية في البلقان. والنفط في تقديره محرك معظم الصراعات الدولية منذ اتفاقية "سايكس- بيكو" التي قسمت المنطقة العربية، وهو "لغز" وعد بلفور بإقامة دولة إسرائيل في فلسطين، ومفتاح الأزمات المالية العالمية. هل يعتمد الكتاب، كما يرى منتقدوه نظرية المؤامرة؟ ربما، وما النظرية التي يمكن أن تفسر الجهل باحتياطيات النفط العالمية، وما إذا كان في طريقه إلى النضوب، وهل تغير الغازات المنبعثة عن حرقه المناخ العالمي، وما الطاقة البديلة عنه لتشغيل ملايين العربات والطائرات والمحطات والصناعات، وتأمين الخدمات الأساسية لمساكن مليارات البشر؟ صدرت الطبعة الإنجليزية الأولى للكتاب عام 1993 حاملة الشحنة الملتهبة لحروب الخليج في التسعينيات، وأوجزت صورة فوتوغرافية على غلافه قرناً من حروب النفط بدأ واختتم في بغداد. صورة مشهورة لكوكبة عسكريين بريطانيين على خيولهم يتقدمهم "الجنرال مود"، قائد قوات الاحتلال يدخلون بغداد في 11 مارس عام 1917 من "باب المعظم" في السور الذي كان يحيط المدينة. على اليمين "جامع الأزبك" القائم حتى اليوم، وعلى اليسار حي "رأس الطوب"، و"البيت الكبير"، الذي عاشت فيه خمسة أجيال متعاقبة من أسرة عراقية واحدة، معظم أبنائها عسكريون، وأقيمت أمامه فيما بعد أول محطة وقود لشركة النفط البريطانية في بغداد. أزيل البيت مع المحطة في ثمانينيات القرن الماضي، وأقيمت في موقعه "المكتبة الوطنية" الحالية. كم من أفراد الأجيال المتعاقبة للأسرة قُتل، أو سُجن، أو أسر، أو هاجر خلال "قرن من الحرب"؟ حكايات النفط لا تُحكى في موقع شجرة أسرة "البيت الكبير" في الإنترنت. أنشأ الموقع حسن عبدالرزاق، وهو باحث في علوم البيولوجيا، وكاتب مسرحي من الجيل السابع للأسرة، يعمل في كلية "إمبريال كوليج" بجامعة لندن. ولا حكاية عن النفط في مسرحيته "عرس بغداد" التي عرضها "مسرح سوهو" الإنجليزي. والمجون في المسرحية الذي استوقف معظم الصحف البريطانية بريء وساذج بالمقارنة مع مجون لحظة واحدة في "قرن من الحرب". وإذا أردت النجاح للفيلم الذي تنتجه هوليوود عن المسرحية "احفرْ حبيبي، احفرْ"!