يمر الجنس البشري في هذه المرحلة من تاريخه بتغيرات مهمة في شكل التركيبة السكانية لمجتمعاته، تتمثل في زيادة واضحة في متوسط عمر أفراده، حيث يتوقع لإنسان القرن الحادي والعشرين، أن يظل على قيد الحياة لفترة تزيد ببضعة عقود، عما كان ممكناً لأسلافه. وهذا التغير الديموغرافي زادت وتيرته بشكل حاد خلال نهاية القرن الماضي إلى درجة أن الجيل الحالي أصبح يتمتع بمتوسط عمر يزيد بمقدار عشرين عاماً كاملة عن متوسط عمر الجيل الذي عاش قبل خمسين سنة فقط. وكنتيجة حتمية لهذا التغير المتسارع زادت أعداد المسنين بشكل واضح بين أفراد الجنس البشري، وهو ما يتضح من حقيقة أن عدد الأفراد الذين تخطوا سن الستين قد بلغ أكثر من 650 مليون شخص في عام 2006، مع توقع أن يتضاعف هذا العدد إلى 1.2 مليار شخص بحلول عام 2025، وليصل إلى أكثر من ملياري شخص في عام 2050. وهذا يعني أن نسبة لا بأس بها من البشر ستصبح خلال العقود القليلة القادمة ضمن تصنيف المسنين. وتشير بالفعل بعض التقديرات، إلى أنه بحلول منتصف القرن الحالي، ستتساوى نسبة صغار السن، مع نسبة كبار السن، ضمن التركيبة السكانية الدولية العامة. وبالفعل نجد حاليّاً أن العديد من مدن بعض الدول الصناعية، وحتى الدول ذات الاقتصادات النامية، كثيراً ما يتخطى فيها عدد المسنين عدد الأطفال. وعلى رغم أن هذا الوضع برمته نتج بشكل كبير عن التطورات والاختراقات الطبية المتلاحقة خلال القرن الماضي، على صعيد فعالية الوقاية من الأمراض ونجاح علاج الكثير منها، إلا أنه أصبح في حد ذاته يفرض تحديات جديدة على نظم الرعاية الصحية حول العالم، تتمثل في الاحتياجات الصحية الخاصة للمسنين، وبالتحديد الأمراض المزمنة التي تصيب كبار السن، مثل ضعف الذاكرة ووهن القدرات العقلية، والسلس البولي أو التبول اللاإرادي، والاكتئاب، والسقوط وما ينتج عنه من إصابات خطيرة وإعاقات شديدة، وهي المشاكل الصحية الأكثر انتشاراً بين من تقدم بهم العمر. وكثيراً ما يرتبط ضعف الذاكرة لدى كبار السن، بمرض الزهايمر أو عتَه الشيخوخة. ويعرف هذا المرض على أنه تدهور مطرد في القدرات العقلية الإدراكية، نتيجة مرض أو تلف في المخ. وهذا التدهور يؤثر بشكل خاص على مناطق المخ المعنية بالذاكرة، والتركيز، واللغة، والقدرة على حل المشكلات، وغيرها من الوظائف العقلية العليا. وفي المراحل المتقدمة، يفقد المريض أيضاً إحساسه بالزمان، فيصبح عاجزاً عن معرفة أي يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة يعيش فيه حاليّاً، مع فقدان الإحساس بالمكان فيصبح عاجزاً عن إدراك مكان وجوده، ويصبح أيضاً عاجزاً عن معرفة نفسه وهويته. ولكن لإدراك طبيعة عتَه الشيخوخة، لابد من تصحيح الاعتقاد الخاطئ بأن العتَه هو نتيجة طبيعية للشيخوخة. فعلى رغم أن التقدم في العمر، يترافق مع تدهور طبيعي في الذاكرة، وفي التركيز، وغيرها من القدرات العقلية، إلا أن هذا التدهور ليس على نفس القدر والدرجة المصاحبة للإصابة بعتَه الشيخوخة. وهذا يعني أن الشيخوخة الطبيعية لا تصاحب دائماً بالعته. فمثلا، نجد أن عته الشيخوخة يصيب فقط عشرين في المئة ممن تخطوا سن الثمانين، وفي الوقت نفسه يظل ثمانون في المئة ممن تخطوا سن الثمانين محتفظين بكامل قدراتهم العقلية، ولكن مع انخفاض نسبي وطبيعي بسبب تقدمهم في العمر. وعلى رغم أن عته الشيخوخة الناتج عن مرض الزهايمر قد تم تعريفه وتحديده منذ أكثر من مئة عام، إلا أن الأطباء لا زالوا عاجزين عن تحديد السبب خلف هذا المرض، ولماذا يصيب البعض دون آخرين. وهذه الفجوة في المعرفة الطبية، نتج عنها بالضرورة فقدان أسلوب محدد للعلاج. فالنظريات التي تحاول تفسير سبب الإصابة، فشلت جميعها أمام الدراسات والأبحاث العلمية، ما جعل العلاج أمراً صعب المنال حتى الآن. وهو ما ينطبق أيضاً على سبل وتدابير الوقاية المقترحة من قبل العلماء والأطباء، التي لم تنجح هي الأخرى في منع الإصابة بالمرض أو حتى إبطاء مسيرته. وإن كانت السنوات الأخيرة قد شهدت نتائج مثيرة لبعض الدراسات، تمركزت كلها حول نظرية المخزون العقلي أو الفكري. وهذه النظرية مفادها أن ارتفاع المخزون العقلي لدى الشخص، نتيجة استمراره في التعليم لسنوات طويلة، والحصول على شهادات عليا، أو بسبب تحدثه للغتين أو أكثر، أو تعرضه في حياته العملية والشخصية لخبرات متعددة ومتنوعة، أو قيامه بنشاطات عقلية بشكل دائم في السنوات المتقدمة من العمر، كلعب الشطرنج، وحل الألغاز والكلمات المتقاطعة، تولد لديه مخزوناً عقليّاً وفكريّاً أكبر حجماً وقدراً مقارنة بالآخرين. وهذا المخزون، يجعل علامات وأعراض المرض أقل ظهوراً، ويبطئ في الوقت نفسه من مسيرة التدهور العقلي بوجه عام. ويلعب التحفيز العقلي المستمر، وخصوصاً من خلال التفاعل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين، كأفراد العائلة والأصدقاء والجيران، دوراً ملموساً في تأجيل سن ظهور المرض، وتخفيف حدته، والحد من مضاعفاته. وهو ما دفع البعض للتنظير، بأن الانتشار الواسع لعتَه الشيخوخة في المجتمعات الغربية، مقارنة بالمجتمعات الأقل تقدماً والمجتمعات البدائية، ربما يكون -ولو جزئيّاً- بسبب العزلة الاجتماعية التي أصبحت تميز الحياة في تلك المجتمعات، وخصوصاً عزلة المسنين، الذين كثيراً ما ينتهي بهم المآل إلى بيوت العجزة والمسنين، مما يحرمهم من التواصل والتفاعل الإنساني في أواخر سني عمرهم، ويسرع من انزلاقهم نحو هاوية الانكماش العقلي والفكري، ويدفعهم قسراً نحو العزلة النفسية والاجتماعية.