إن المتأمل للتاريخ الإنساني من منظور التعددية الثقافية يجد أن الغالب عليه هو الصراع ومحاولة كل ثقافة الهيمنة وفرض نفسها على بقية الثقافات، بل إن البعض منها عمل على إلغاء الآخر واستخدام القوة والسلطة لفرض ثقافته على الآخرين، وبالذات فيما يتعلق بالرموز الثقافية كاللغة واللباس وغيرهما. وفي عصرنا الحالي نجد أن من آثار العولمة، بمكوناتها المختلفة وسهولة انتقال الناس ووجود جاليات وأقليات تحمل ثقافات مختلفة عن ثقافة المجتمعات الأصلية، فتح الأبواب لاحتكاك وتفاعل ثقافي يمكن أن يتحول إلى صراع بين الثقافات المختلفة إذا لم يتم التعامل معه من منظور إنساني يخدم البشرية جمعاء، وبالذات من قبل قادة المجتمع وفعالياته المختلفة. إن وجود التعددية الثقافية هو فرصة لأتباع الثقافات المختلفة لعرض مضمون ثقافاتهم على الآخرين، وبيان خصائصها وما تمتاز به مع احترام خصوصية ثقافة الآخر، وعدم تهديده بالإلغاء أو محاولة الهيمنة وفرض شيء من ثقافته على الآخر، والحذر كل الحذر من استفزاز الآخرين من خلال رموزهم الثقافية، لأن ذلك سيؤدي بلاشك إلى تأجيج صراع لا يمكن السيطرة عليه أو التنبؤ بآثاره على جميع الأطراف ذات العلاقة. وما يحدث الآن في بعض الدول الأوروبية من شحن شعبي متبوع بمشاريع قوانين تتعلق ببعض الرموز الثقافية الوافدة على هذه المجتمعات يعد مثالاً لانعدام الأفق بين الثقافات المختلفة واستخدام السلطة والقانون للوقوف في وجه ثقافة أخرى، والفشل في استيعاب أتباع هذه الثقافات من خلال التواصل والحوار، وهو ما سيؤدي إلى محاولة كل طرف التمترس وراء موروثه الثقافي والدفاع عنه بكل ما أوتي من وسائل وإيجاد أسوار حماية تؤدي إلى انزوائه وانغلاقه على نفسه، وضرر ذلك سيكون من نصيب الجميع. ولاشك أن كل طرف لديه وجهة نظر مقتنع بها، وسيحاول أن يحشد لأجلها العديد من الأدلة والبراهين للدفاع عنها، ولكن في النهاية هي معركة خاسرة للجميع ولن يربح فيها أحد، بل هذه الأنواع من الصراعات لا يمكن التحكم فيها أو التنبؤ بنتائجها لأنه لا يمكن الإحاطة بالأطراف الفاعلة فيها، ولها امتدادات عابرة للقارات ذات انعكاسات سياسية واقتصادية وأمنية. إن أول الأسباب الحقيقية لهذه المشاريع هو الخوف من تأثير ثقافات المهاجرين الدخيلة على ثقافة المجتمعات الأوروبية، وفشل سياسة دمج هذه الجاليات في تلك المجتمعات، واستغلال أتباع اليمين المتطرف لبعض الممارسات الخاطئة لأبناء المهاجرين لإثارة العامة عليهم بالإضافة إلى عدم وجود مبادرات جادة تخاطب العقل الأوروبي من منظور ثقافي إنساني يحترم التعددية الثقافية ويمجد القيم الإنسانية المشتركة كالعدالة والحرية والمساواة، ويحترم الإبداع الإنساني بما يخدم البشرية جمعاء.