هناك في السودان من يطالب بمقاطعة المنتجات اللبنانية ومن يعتزم التظاهر أمام السفارة اللبنانية في الخرطوم احتجاجاً على الإهانات العنصرية بسبب لون البشرة التي تعرض لها بعض السودانيين المشتبه بإقامتهم في بيروت بطريقة غير شرعية على يد عناصر من الأمن اللبناني. وبالطبع لا يمكن إلا الوقوف مع ضحايا العنصرية، اللونية بالذات، وهي أكثر أنواع العنصرية انتشاراً بيننا، ولعلّ الإخوة في السودان هم أكثر من تحمّل نتائجها، وها هو الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري يشكو العنصرية اللونية قائلاً: "فقير أجل فقير.. ودميم دميم، بلون الشتاء.. بلون الغيوم، يسير فتسخر منه الوجوه، فتسخر حتى وجوه الهموم، فيحمل أحقاده في جنون، ويحضن أحزانه في وجوم، ولكنه أبداً حالم، وفي قلبه يقظات النجوم". لكن مطالبات بعض السودانيين بالمقاطعة والتظاهر هي مبالغة في ردّات الفعل، وهي كمن لا يرضى لنفسه ما يرضاه لغيره، ويحب أن يكون الصافع على الدوام، فلو تتبع أحد منابع مشكلات شمال السودان بجنوبه وغربه سيجد مياه العنصرية تتدفق. يقول الكاتب السوداني عثمان ميرغني: "ولعلّ اللافت هنا أنه حتى السودانيون الذين يشكون الآن مما حدث في بيروت ينسون أنه تحدث داخل حدود بلد المليون ميل مربع ممارسات توضع في ذات الخانة، سواء تجاه أبناء الجنوب أو الغرب". والحديث عن السودان اقتضاه المقام والأزمة الحالية، وإلا فإن العنصرية تكاد تكون طبيعة في نفوس البشر ويجري فيروسها في دمائهم إلا من رحم ربي، لكننا لا نتذكر العنصرية إلا حين نكون ضحاياها، ووجوهنا لا تحمر إلا حين نسمع عن حوادث عنصرية تحدث لإخوان لنا يعيشون في الغرب، ونبدأ في حشد التهم ضد الغربيين ونصفهم بالعنصرية والتمييز والتعالي، لكن ما أحوجنا إلى منطق المهاتما غاندي الذي كان يرى أن المعاملة السيئة التي يتلقاها الهنود، الهندوس بالذات، في جنوب إفريقيا هي عقاب لهم لأنهم في وطنهم يعتبرون أنفسهم متمدنين في مقابل طبقة المنبوذين المنفية على أطراف المدن والقرى، فهذه بتلك، كما يقولون. لكن ليس لمنطق غاندي أثر في عقولنا، لأننا نلوذ بالنصوص الدينية حين نشعر بقرب غرقنا في بحر التعصّب والتمييز، مثل الآية الكريمة: "يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، والحديث النبوي: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، وبغيرها من النصوص التي هي بمنزلة خشبة الخلاص لنا، لكن الحقيقة الغائبة عنا أو التي نحاول تغييبها هي أن النصوص المقدسة شيء والواقع المعيش شيء آخر "تماماً" في أغلب الحالات. لا تخلو المجتمعات الغربية من عنصرية، لكن تلك المجتمعات لا تعاني من مرض ازدواج الشخصية، ولذلك فهي تعترف بوجود العنصرية وتواجهها أو تحاول ذلك، وتعاقب عليها، لكن مشكلة مجتمعاتنا أنها مزدوجة الشخصية، لا تواجه العنصرية ولا تعاقب عليها لأنها لا تعترف بوجودها من الأساس، لأن بين يديها نصوصاً مقدسة ترفض العنصرية، ولم نصل بعد إلى مرحلة التفريق بين النص الديني العظيم والرائع المبثوث في الكتب، وبين الحقيقة على الأرض.