ليست كثيرة هي المواسم الثَّقافية، التي لا تُشعرك بغمزة أو لمزة، لتعظيم حزب أو شخص، مثلما هو موسم أَصِيلة السَّنوي، الذي أحضره أول مرة، إلا أن شهرته ملأت سمعي من قَبل، فمنذ 1978 والثَّقافات تتعارف على أرضها، وبشتى اللُّغات. فنانون وشعراء وأدباء ومؤرخون وإعلاميون، يتوافدون لاثنين وثلاثين عاماً، ومنهم مَنْ رحل عن الحياة لتؤسس أَصيلة باسمه جائزة وتُطلق اسمه على معلم من معالمها، فهناك حديقة الشاعر بلند الحيدري(ت 1996). وحين جعلت أَصيلة للعراقي الكُردي جائزةً وحديقة لم تسأل ما قوميته وما عقيدته، إنما اكتفت بشعره: "كم رتعنا على شواطئ حلم ...". وجه آخر لبلاد المغرب، تجده مجتمعاً بأَصيلة، التي تأسس موسمها السَّنوي "رمزاً للدِّفاع ضد الغزو السياحي المبتذل الرَّخيص"(كتاب أَصيلة)، هذا ما اجتمع من أجله المحمدان، بن عيسى والمليحي، عبر جمعية ثقافية لتحول المدينة الصَّغيرة إلى عاصمة ثقافة كبرى، ساعد المكان ورغبة سكانه في التَّكوين. ليس لموسم أَصيلة أن يستمر من دون دعم، لكن ما هي الشُّروط، ومعلوم إذا دخلت السِّياسة ورغائب الأحزاب والزَّعامات من دون اعتبار لحُرمة الثَّقافة سيصير الشِّعر مدائحَ، والنَّدوات لتمجيد الذَّوات. نعم، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ضيفة الشَّرف لهذا العام، وسمعنا من خطاب رئيس المهرجان وزير الخارجية السابق محمد بن عيسى كلمات الثَّناء لدَّعمها، لكن بحضور اقتصر على معرض كتاب ورسم، وفِرقة فنية، وأمسية شعرية. لا صور ولا أعلام، بمعنى أن مهرجاناً ضخماً بحاجة إلى دعم لكن بشروط الثَّقافة لا السِّياسة، فخلاف ذلك سيصعب على أَصيلة دعوة وتكريم الأسماء التي حضرت مواسم أَصيلة، وهي من ناحية السِّياسة غير منسجمة مع سلطاتها، ومنها مَنْ كان مطارداً. لكن لا المثقف الرَّسمي، أو لنقل مثقف السُّلطة، له حق التمجيد ولا المثقف الغاضب له حق الشتم، فالثقافة فعل إنساني أكبر من أن ينزل إلى مستوى البذاءة، وكلا الحالتين بذاءة. كانت جائزة محمد زفزاف (ت 2001) لهذا العام من حصة الرِّوائي السُّوري حنا مينا، وحينها سألت الروائي أحمد المديني عن مجسم الشَّجرة الجائزة، قال: إنها "أركان" شجرة لوز، تُزرع بسوس، ولا توجد إلا بالمغرب. سايرتُ مؤسس ورئيس موسم أَصيلة بن عيسى وأشار إلى حدائق وشوارع سميت بأسماء الرَّاحلين من غير المغاربة، وإلى مدرسته الابتدائية، وداره التي تقابلها مقبرة العائلة وقبره الذي سيوارى فيه بعد طول عمر، إلا أن الرَّجل مأسور بما أسس، حتى يأخذك القلق على مستقبل هذه المواسم من بعده، فالعديد من المشاريع الكبرى ماتت مع أصحابها، وقد سألت هذا السؤال، فقيل لي هناك مؤسسة تعني بالأمر لكن يبقى بن عيسى هو العقل المدبر للاستمرارية. استغرب الماشين معه من قاعة المهرجان إلى قصر الثقافة بقطعه الحديث ليلتقط نفايات من على الطريق، أو يقف ناصحاً شاباً اسند ظهره على جدارية من الجداريات، بمعنى أنه مهموم بالمكان، وسكانه المنتفعين من تلك المواسم. ما أن بدأت الرِّحلة إلى طنجة وشخصية الرَّحالة ابن بطوطة (ت 779 هـ) ماثلة في الذِّهن، فهو القائل: "كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة"(الرِّحلة). هذا المغربي الذي شغل حيزاً من ذاكرتنا، وأفادنا برِّوايات عن مدننا وقُرانا المشرقية، لا بد أن يكون له أثر ما بمسقط رأسه. سألت: هل هناك مكان أثري لابن بطوطة، غير اسم المطار! فدلوني على ضريح له بطنجة القديمة. مكان لا تدخله السيارات، تلتوي فيه الدروب مثل التواء الأفاعي، وصلتُ إلى الضريح بواسطة أحد الأدلاء، وهو غرفة صغيرة شُيدت على أعلى التَّل، وكتب عليه "ضريح ابن بطوطة". قرأت له الفاتحة وشكرته في أعماق نفسي على كل معلومة أفادنا بها من خلال مشاهداته، وكان وصل بغداد وخرج منها العام 728 هـ. وعن طنجة كتب التَّاجر والسَّائح ابن حَوقل النَّصيبي(ت 367 هـ): "مدينة أزلية، آثارها بينة، وأبنيتها بالحجارة، قائمة على وجه البَحر"(صورة الأرض)، ومن طنجة عبرت الجيوش الإسلامية(92 هـ) إلى السَّاحل الأوروبي، حيث شيدت الأندلس. لفت نظري مكان يدعى "الجزيرة الخضراء" عبر المحيط، وبينها وبين ساحل طنجة عشرون دقيقة بالباخرة، وأقول لفت نظري لطالما لمحت الاسم في كتاب "بحار الأنوار" لمحمد باقر المجلسي (ت 1699)، وبالمكان نفسه، وبأنها جزيرة أولاد المهدي المنتظر، وفيها ما فيها من الرُّمان والأعناب والمياه العذبة. وأرجو ألا يغضب عليَّ مَنْ لا يعتقد بوجود أولاد للمهدي المنتظر، لأنه لا يتزوج إلا بعد الظُّهور، أو مَنْ اعتبره والداً لأبي الطيب المتنبي (قُتل 354 هـ). سألت عن أَصل اسم أَصيلة، ونحن ننظر إلى امتدادها البحري عند الغروب، ولا أظن أن هناك مشهداً يسحر الألباب مثله، حيث ينعكس الشَّفق على الجداريات التي أقامها فنانوها المغاربة والعالميون منذ 1978، وهي بحق مدينة الجداريات، لكن أية جداريات! غير المجسدة لشخص أو عقيدة أو ثورة، إنما هي من وحي المكان، رسموها بكل حرية، لا تقرأ فيها إلا الفن، وبظلها سميت بـ "مدينة الفنون وجنة الألوان". وكان الفنان العراقي أحد المختارين إليها من بين أحد عشر فناناً عالمياً. أذكر هذا من باب شحذ الهمم ودفع العواطف للنَّظر في واقع الفنان العراقي اليوم، وقد التقيت هناك بالفنان الرائد رافع النَّاصري، وهو مخذول بما يحدث، ومازال يُقيم بدول الجوار يُطارد بالإقامة والفيزا. إن المتأمل لمشهد الأصيل على مشارف بحر أَصيلة ليس له إلا أن يربط الاسم بالأصيل، لكن قيل لي هذا الربط غير صحيح، فالكلمة يونانية قديمة. أما ياقوت الحموي (ت 626 هـ) فيذكرها بـ "أَصيل" و"أَصيلة" بلدة بالأندلس، ربما كانت من أعمال طُليطلة، منها المحدث عبد الله بن إبراهيم الأَصيلي(ت 390 هـ) "كان عليها سور، ولها خمسة أبواب، فإذا أرتج البحر بلغ الموج حائط الجامع، وسوقها حافلة يوم الجمعة، وما آبار المدينة شروب، وبخارجها آبار عذبة وهي الآن خراب"(معجم البلدان). خراب حولته الثَّقافة إلى عُمران يحتضن ثقافات العالم، بشروط التَّعايش والحوار، لم يسعفنا الوقت لحضور ندوة صديق أهل العراق المؤرخ والمحقق عبد الهادي التَّازي، لأعرف منه ما سرُّ نقش اسم بغداد على بوابة داره بالرِّباط!