لو فكر أحد منا، وأحصى عدد الاستراتيجيات المحلية والاتحادية التي تم الإعلان عنها، والخطط التي وضعت من أجل إيجاد حلول لمشكلات اجتماعية وتعليمية وصحية لوجدناها كثيرة لا يمكن أن تعد. ولو عددنا الملتقيات الفكرية وأعمدة الرأي المتعلقة بتحسين وضع المجتمع والإنسان الإماراتي، سواء في المجالات الحياتية بما فيها المجال الرياضي أو تلك المتعلقة بالنهوض بالشباب ومكافحة المخدرات، والسلوكيات المنحرفة في المدارس، وعلاقات الأبناء بآبائهم وكيفية تربية الأبناء، والحفاظ على الحياة الزوجية، لو أحصيناها، لخرجنا بانطباع ومؤشر يثلج الصدر ويشرحه بطريقة تجعلنا نعتقد أنه لا يوجد بيننا من يعاني، لا من سمنة ولا من مرض مما يسمى أمراض العصر كالسكر والضغط وغيرهما، ونصل في النهاية إلى أننا أفضل من يعيش على الأرض. أحياناً، ولكثرة ما نراه من تقارير ودراسات، نعتقد أنه لا توجد دولة لديها حجم تلك الخطط التي تخرجها علينا المؤسسات والدوائر الحكومية والخاصة، التي يمكن أن تكون شبه يومية. ولكن بعد فترة تفاجئنا وسائل الإعلام بأن نسبة بعض الأمراض والمشاكل تفوق الخمسين بالمئة مثل مرض السكري بين مواطني أبوظبي 70 في المئة. عندما نتابع الأخبار في الصحافة والإعلام المحلي - والآن دخل الإعلام العربي والخارجي الذي يغطي أخباره من الواقع الميداني، سواء من المستشفيات أو من المجتمع أو معدل أرقام العلاج في الخارج أو نسبة السمنة في الإمارات - نشعر بأنه لا أحد يعالج الوضع، ونكاد نصاب بصدمة من الواقع الحقيقي، حيث تصدمنا الأرقام المنشورة في الصحافة كل يوم تقريباً، فأمراض السمنة والضغط لدينا من أعلى النسب في دول العالم، والبطالة في مستوياتها المرتفعة، وكذلك العنوسة، وغيرها من الأرقام التي هي في الواقع مؤشرات مستقبلية خطيرة لخط سير المجتمع، خاصة إذا وجدنا أن النسبة الأكبر من المصابين بتلك الأمراض هم الشباب. ومما يزيد حجم المشكلة بشكل أكبر أنه في المقابل، هناك زيادة في أرقام الوافدين بعد أن سجلت دائرة الإحصاء ارتفاعاً في أعدادهم خلال السنوات القليلة الماضية؛ ما يعني تنوعاً في الأمراض القادمة بسبب الوفود الجديدة، وزيادة في البطالة، وتنوعاً في أنماط سلوك الحياة المرتبطة بحجم النمو السريع. الفجوة هنا مرتبطة بالعلاقة بين إعلان الاستراتيجيات والخطط التي يسمعها المواطن وبين ملامستها أرض الواقع، فبمجرد إعلان المؤسسة عن خطتها تختفي من التطبيق وتتوارى عن الأنظار ولا نجد لها صيتاً، ونادراً ما نجد من يتابع تلك الاستراتيجيات أو يسأل عنها، بل وصل الأمر بالمواطنين إلى عدم الاقتناع بما يتم تداوله، وأن المسألة لا تعدو أن تكون إعلانات إعلامية فقط، وبالتالي فإن الصدمة تكون كبيرة عند الإعلان عن وضع استراتيجيات لحل مشكلة معينة، ولكن بعد ذلك تكون الأمور عادية ولا جديد في الأمر؛ فالمشكلة موجودة في الأساس ولكنها "نائمة"، وجاء موسم إثارتها فقط، هذا هو الجديد في الأمر. وهنا مكمن الخطر أيضاً، وحين تظهر المشكلة يتم الاكتفاء بذكر ما تناولته الدائرة المسؤولة من استراتيجيات وخطط ومواد وبنود محفوظة في الأدراج أو على الأرفف، أما تطبيقها فمجرد آمال وأمنيات. المسألة لها علاقة بالمستقبل، وتبقى الأهمية في تنفيذ الاستراتيجيات والخطط المعلن عنها من دون نتائج ملموسة؛ لأن المعالجة السريعة وإنهاء مواقف أهم من تجميع المشكلات؛ لأنها بهذا ستصبح عبئاً على الجهات التنفيذية.