عندما تسلم أوباما السلطة من سلفه جورج بوش تنفس النشطاء المدافعون عن البيئة الصعداء مستبشرين بقدوم رئيس جديد لم يخف تعاطفه معهم وانشغالاته بقضايا البيئة، لا سيما وأن عهد بوش ونائبه تشيني تميز باستغلال كثيف للموارد الطبيعية مثل قطع الأخشاب والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، وفتح المناجم على حساب حماية الأماكن الطبيعية للحيوانات والأنواع المهددة، فضلاً عن إيلاء الأولوية لإنتاج الطاقة غير النظيفة دون اهتمام بجوانبها المضرة للبيئة، ودون محاولة من الإدارة لتشجيع الطاقات المتجددة والاستثمار في إمكاناتها، وليس غريباً أن يكون هذا هو موقف بوش ونائبه من القضايا المرتبطة بالبيئة لأنهما معاً قدماً من صناعة النفط، كما أنه ليس غريباً التجاهل الذي قابل به مسؤولو إدارة بوش نشطاء الطاقة المتجددة في اجتماعاتهم ولقاءاتهم الدورية المشتركة، لذا رحبت الكثير من المنظمات المدافعة عن البيئة بصعود فريق جديد إلى البيت الأبيض يترأسهم أوباما الذي جعل من التغير شعاراً لحملته الانتخابية، ولعل ما رسخ هذا الشعور الإيجابي لدى نشطاء الاحتباس الحراري والتغير المناخي التعيينات التي قام بها أوباما في المناصب العليا المرتبطة بشؤون البيئة مثل تعيينه "كارول براونر"، التي ترأست الوكالة الأميركية لحماية البيئة في عهد كلينتون، في منصب كبيرة موظفي البيت الأبيض المسؤولة عن قضايا المناخ وسياسات الطاقة، بالإضافة إلى تعيين "ليزا جاكسون"، المديرة السابقة لقطاع حماية البيئة في ولاية نيوجيرسي، كرئيسة جديدة لوكالة حماية البيئة على الصعيد الفيدرالي، ثم تعيين "كين سلازار" الذي تولى أيضا مسؤولية سابقة في مجال البيئة كوزير للداخلية دون أن ننسى "إسناد منصب وزير الطاقة للعالم الفيزيائي الحاصل على جائزة نوبل "ستيفن تشو". والحقيقة أن العديد من الأمور تغيرت منذ وصول الفريق الجديد إلى السلطة، لا سيما فيما يتعلق بالتغير المناخي والسياسات المعلنة في مجال الطاقة مثل توفير وظائف جديدة في هذه القطاعات وتطوير الاقتصاد المعتمد عليها، هذا بالإضافة إلى الاستراتيجيات الجديدة التي راهن عليها أوباما في العديد من المناطق بالولايات المتحدة للدفاع عن البيئة، لكن رغم ذلك تعرضت إدارة أوباما خلال الآونة الأخيرة لسلسلة من الانتقادات التي وجهتها لها منابر "يسارية" حول سياسته في مجال البيئة، فخلال الأسبوع الماضي رفع مركز التنوع الحيوي دعوى قضائية على وكالة الغابات الأميركية لفشلها في حماية الأنواع المهددة بالخطر من خلال الحفاظ على بيئتها الطبيعية في كل من ولايتي أريزونا ومكسيكو، وهو ما عبر عنه "تايلور ماكينون"، المسؤول في المركز قائلًا: "إن وضع الأنواع البرية في الغابات الموجودة بالمناطق الجنوبية الغربية يدعو للقلق، فبالإضافة إلى فشل الجهات الرسمية في الحفاظ عليها، وهي تضع خططها في مجال حماية الغابات قررت تلك الجهات التخلص من البرامج التي تحمي الأنواع الحياتية في استراتيجيتها الجديدة، ما قد يؤدي إلى انقراض العديد من الحيوانات"، وقبل أسبوع على ذلك رفع المركز نفسه دعوى قضائية على وزير الداخلية، "سلازار"، لعدم الكشف عن فحوى مباحثاته مع جماعات الضغط التي تعمل لصالح القطاع النفطي، وذلك قبل حادث تسرب البئر النفطية التي تستغلها شركة "بي. بي" البريطانية وما يترتب على ذلك لاحقاً من تعليق لعمليات التنقيب على النفط في السواحل الأميركية، وعن هذه الدعوى قالت المديرة التنفيذية للمركز: "نريد أن نعرف الأشخاص الذين تحدث إليهم وزير الداخلية وماذا قال لهم، وما إذا كان قد عقد صفقات لا نعرفها"، مضيفة أن إدارة أوباما تعهدت "بالمزيد من الشفافية في عملية اتخاذ القرارات وصياغة السياسات، لكن عندما يتعلق الأمر بصناعة النفط، فإن الأمر لا يختلف في سريته عن إدارة بوش وتشيني". وفي الساحل الشمالي الغربي للمحيط الهادي يحث نشطاء البيئة أوباما على عدم السماح بنقل معدات كبيرة عبر المناطق المحاذية إلى مشروع النفط الرملي بكندا، لأن من شأن ذلك تهديد سمك السلمون الذي يعيش في تلك المياه، وفي هذا السياق حذرت منظمة "انقذوا السلمون"، التي تدافع عن الأماكن الطبيعية لتواجد السمك من "الأثر المدمر لمشروعات استخراج النفط من الرمال القطرانية الموجود في كندا"، هذا في الوقت الذي يشتكي فيه بعض العلماء العاملين في الهيئات الحكومية من الضغوط الممارسة عليهم للتأقلم مع الاعتبارات السياسية، وهو ما صرح به "جيفري روش"، الذي يعمل مع إحدى المنظمات المدافعة عن البيئة إلى صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" قائلًا "نحن اليوم نتلقى شكاوى من باحثين في مراكز حكومية بنفس الوتيرة التي كنا نتلقاها خلال فترة الرئيس بوش"، لكن يبقى فشل إدارة أوباما في تمرير قانون شامل للطاقة والمناخ الإخفاق الأكبر في نظر النشطاء المدافعين عن البيئة، وهو ما عبر عنه الكاتب والفيزيائي "جوزيف روم" بمرارة كبيرة قائلًا: "لقد كان أوباما أول رئيس في التاريخ يتحدث بكلمات صريحة عن ضرورة تبني رؤية مستدامة حول الطاقة النظيفة، لكن السؤال هو ما إذا كان فعلًا يؤمن بما صرح به"، وقد اعترف خلال الأسبوع الجاري، السيناتور "هاري ريد" زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ بعجزه عن تأمين الأصوات الضرورية لتمرير قانون إصلاح الطاقة الذي صادق عليه مجلس النواب قبل عام من الآن، والنتيجة أنه ستُعاد صياغة القانون لتُحذف منه العديد من المقتضيات التي تنص على الحد من انبعاثات الكربون. براد نيكربوكر كاتب أميركي متخصص في قضايا البيئة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"