على ضوء تجاربنا العربية المحدودة في اختيار الديمقراطية، نلاحظ تعثراً كبيراً يعترضها، فلبنان والكويت ومصر وغيرها من دول عربية، لم تنجح في تقديم نماذج متوافقة مع طبيعة البيئة العربية. الديمقراطية ارتبطت بالثقافة الغربية، مما أوجد مجموعة من القيم الاجتماعية والثقافية المرتبطة بها. في بلادنا العربية تعرضت الديمقراطية إلى تشوهات كثيرة، حيث لم تكن خياراً داخلياً بقدر ما كانت استجابة لعوامل خارجية، وهذا لا يعني القول إن البيئة العربية غير مؤهلة للديمقراطية بقدر ما نقصد اخفاقنا في تطوير التجربة، وتبني الخيار الديمقراطي سواء بالنسبة لأنظمة الحكم أو المجتمع المدني. الديمقراطية تفرض إحساساً بالقيم المشتركة بين أفراد الشعب، وبخلاف ذلك تتحول الديمقراطية إلى وسيلة إعاقة للتطور المنشود. بالنسبة لنا في البلاد العربية تعترضنا الصيغة التعايشية المشاركة المتجسدة في مفهوم الانتماء للدولة الوطنية والشعور بالمواطنة. فالوضع لنا مازال عالقاً من حيث تأثير الأطر التقليدية مثل القبيلة والطائفة والعائلة، حيث الانتماء لها ربما يفوق الانتماء للدولة، مما يعني ضعف الحس المشترك بضرورة الديمقراطية. بالرغم من اخفاقنا العربي والإسلامي في إنجاح الديمقراطية كمشروع حضاري، فإن ما يدعو للتفكير في ما يصيب الديمقراطية من انتكاسات حتى في الدول المتقدمة، ولكن هذه الانتكاسات يعاد تصحيحها من ضمن آليات النظام الديمقراطي، كما حدث في الحالة الأميركية على سبيل المثال. وربما لو استعدنا التجربة الديمقراطية في حالة دول الكتلة السوفييتية لوجدنا أن معظم الدول دخلت في صراعات إثنية ودينية مثل ما حدث من حرب أهلية في يوغسلافيا السابقة وفي القوقاز، مما يؤكد لنا أن الديمقراطية هي ضامنة لعدم قيام حروب أهلية لو فهمنا قيمها، واستطعنا تقنين الصراع وتحديد مساره. المشاكل التي تعترض الديمقراطية العربية تتجسد في الخوف القابع في داخل بعض الأنظمة، حيث ترى في الديمقراطية تراجعاً لامتيازاتها. وهنا تتجلى لنا إحدى الأزمات التاريخية في العلاقة بين القوى الاجتماعية، وأنظمة الحكم حيث هذه القوى التي تجسد لنا المعارضة التي طرحت نفسها باعتبارها مناهضة لكل ما يرتبط بالحكم، مما أوجد الخوف لدى الحكومات. فالمعارضة لا تقدم ضمانات لحقوق الطبقة الحاكمة، بل تظهر نفسها كبديل عنها مما يؤخر تقدم الديمقراطية. ولو أخذنا بعض الأمثلة الحية مثل الحالة الكويتية، فنجد أن الديمقراطية مرت بمراحل اتسمت بالتقدم والتراجع وبهزات كبيرة تعبر عن الاحتقان المدفون، مما نفسره بأن المعارضة عجزت عن تقديم نفسها كقوة مساندة لمشروع التقدم، وحصرت نفسها ضمن إطار تهديدات للامتيازات التي يتمتع بها الحكم. فالحكم يشعر بالتهديد والمعارضة تشعر بالعزلة، والنتيجة هو تعطل مشروع التفاهم بين الطرفين. المعارضة وريثة لمشروع انحصار الإرث الثقافي المشترك بينها وبين الحكم، ولا تملك المعارضة أي مشروع حضاري للنهوض بالمجتمع. تكرار الفشل واستمرار الأزمات هو نتيجة لهذا الخلل. فالدولة، في السياق العربي، مازالت قابضة على نماذج إرث ثقافي تقليدي وتخاف التغيير، أو الانتقال إلى بناء حديث يحدد الأدوار، وتجد نفسها حبيسة لفكرة توفير كل شيء للرعية. نحن أمام أزمة ثقافية بحاجة إلى انفراج من حيث تبيان دور المعارضة باعتبارها أداة لتحقيق التحديث، وهي جزء من الدولة الحديثة شريطة أن تلتقي جميع الأطراف على صيغة تفاهمية، تضمن الحقوق وتنهض بمشروع التقدم.