قبل أيام عقدت في العاصمة التشادية قمة دول الساحل والصحراء الأفريقية، وعلى رغم أن جدول أعمال قمة "سين صاد" كما تسمى ليس سياسيّاً في الأساس وإنما هو تنموي، فإن المسألة التي طغت عليه إعلاميّاً تمثلت بإمكان حضور الرئيس السوداني، وهل يتعرض للاعتقال تنفيذاً لمذكرة صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار أن تشاد من الدول الموقعة على معاهدة إنشاء هذه المحكمة. قبل وصول الرئيس عمر البشير إلى نجامينا، هبّت عاصفة من التساؤلات والتكهنات والإحراجات، ومن بينها موقف أميركي لافت. إذ قال أحد الناطقين باسم الخارجية إن على تشاد أن "تحترم التزاماتها" تجاه المحكمة، ويعني ذلك أن عليها إما أن تعتقل البشير وتسلمه، أو إذا شاءت حسن التخلص عليها ألا تدعوه إلى القمة، وإذا دعته تحاول إقناعه بإرسال من ينوب عنه. لكن ما لم يقله الناطق الأميركي أن دولته أعفت نفسها مسبقاً من احترام أي التزامات تجاه المحكمة الجنائية، لأنها لم توقع أصلاً على المعاهدة وليست معنية بها، ومع ذلك فهي تلح على الآخرين بالالتزام. ومن جهة أخرى، فإن آخر ما تتمناه واشنطن الآن هو المسّ بالرئيس السوداني، وكانت أعلنت قبل ثلاثة شهور أن الانتخابات التي فاز فيها البشير افتقدت لللمعايير الدولية لأي انتخابات لكنها تعترف بها وتقبل نتيجتها. فالأميركيون لم يهتموا بنزاهة الاقتراع ولا بمن شارك فيه ومن اضطر لمقاطعته، بل اهتموا بألا يحصل تغيير في الحكم في الخرطوم، لئلا ينعكس ذلك على الجدول الزمني المبرمج للاستفتاء أي للانفصال بين الجنوب والشمال. ولأجل هذا الهدف، ولأن الأمر لا يكلف شيئاً، فإن واشنطن تستخدم المحكمة للتهديد والابتزاز، تسكتها لفترة ريثما يكون المبعوث الخاص "سكوت غرايشون" قد قام بإحدى مناوراته، ثم تنطقها فجأة وتشهرها سيفاً مصلتاً إذا وجد المبعوث الخاص شيئاً من التعثر في مهمته. ومن بين ما استطاع غرايشون هندسته في العامين الماضيين تلك المصالحة بين الرئيسين التشادي والسوداني لإراحة البشير من ضغط إدريس ديبي ودعمه لفصيل ابن عشيرته خليل ابراهيم، زعيم فصيل "العدل والمساواة" في دارفور. وعندما تعقدت مفاوضات الدوحة بين الحكومة وابراهيم، استحث المبعوث الأميركي بضع عشرة فصائل تدعمها ليبيا وأثيوبيا فاجتمعت في أديس أبابا وتوحدت تحت مسمى "العدالة والتنمية" ثم هبطت في الدوحة لتوسع نطاق التفاوض، مما عزز موقف الحكومة وأغضب "العدل والمساواة" فحاول زعيمها إحداث اختراق عبر القاهرة أو طرابلس أو حتى نجامينا، إلا أن الأبواب أوصدت دونه، فمصالح الدول تقدمت على مصالح الفصائل، وهو ما كان متوقعاً دائماً على أي حال. على رغم ملف الاتهام، لا يزال الرئيس السوداني المفاوض الوحيد للأميركيين في الملفات التي يرون فيها مصلحة. ولعل دهاءه سيتيح له مقايضة تلك المصلحة بذلك الملف. وهناك أكثر من سيناريو متاح أمام الأميركيين لإنجاز تلك المقايضة، إذ أن المحكمة الجنائية تخضع لمرجعية مجلس الأمن الدولي حيث تمكن فرملتها. ليس فقط أن الولايات المتحدة نأت بنفسها عن محاولة تفعيل العدالة الدولية عبر هذه المحكمة، بل إنها تسخّرها لألاعيبها السياسية. ولا عزاء لعشرات الدول التي وقعت على معاهدة إنشاء المحكمة، آملة في رد الاعتبار للعدالة دوليّاً كخطوة لرد الاعتبار لها حيث هي مفتقدة ومعدومة داخليّاً، لكنها تدرك الآن أن هذه المحكمة باتت أشبه بخدعة، بدليل أنها ممنوعة من ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.