يشبه الحوار الدائر بشأن التغييرات المطلوبة في خدمة نظامنا البريدي خوض معارك صحراوية على متن سفينة تايتنك. فلن يفيد كثيراً رفع أسعار الخدمة البريدية الممتازة ولا وقف تسليم الخدمة في أيام السبت، عندما تضرب سفينة البريد قمة جبل الجليد. وهذا هو المصير المتوقع للخدمة البريدية الأميركية ما لم ننقذها منه بخيال استباقي يعيد النظر في دورها وأدائها. وعليه فلا بد من إثارة السؤال الرئيسي: هل لا يزال على الحكومة الفيدرالية الاستمرار في منافسة القطاع الخاص في هذه الخدمة؟ ففي حين واصل القطاع الحكومي خسارته للأموال الطائلة في هذا المجال منذ عدة سنوات، يلاحظ ازدهار شركات الخدمة البريدية الخاصة. وإن كانت الحكومة على إصرارها في الاستمرار في الخدمة، فلا بد لها من تطوير خطة عملية لذلك في عصرنا الرقمي هذا. فقد بلغ عجز مشاريع الخدمة البريدية نحو 238 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً إجمالي الناتج المحلي الآن للبرتغال. وفيما لو ارتفعت أسعار الخدمة البريدية ارتفاعاً طفيفاً بينما تم خفض بعضها -مثل إيقاف خدمات السبت- فإن هذه الإجراءات لن تحدث سوى تغيير لا يذكر على مستوى أدائها، وهو أفضل النتائج المتوقعة لهذه الإجراءات. أما نتائجها السلبية فهي زيادة المشاكل التي تواجهها الخدمة. في الوقت نفسه يتجاهل الحوار الدائر بشأن تحسين الخدمة، حقيقة أن سرعة الاتصال الرقمي تقلل كثيراً اليوم من الحاجة إلى الخدمة البريدية التقليدية. ولكي نفهم جيداً المصير الذي يمكن أن تنتهي إليه الخدمة البريدية التقليدية، فإن علينا أن ننظر إلى ما تفعله شركة "كوداك". فعمر هذه الشركة البالغ الآن 130 عاماً، منحها ذات الهيمنة التي تتمتع بها شركة "يو. بي. إس". ولم تفقد شركة "كوداك" هيمنتها هذه، على رغم وضوح آفاق مهددات التصوير الفوتوغرافي البعيدة المدى لنشاطها منذ عقد التسعينيات. فقد أجرت الشركة تحسينات كبيرة على أفلامها التقليدية ووسائل تحميضها الكيميائي، دون أن تستسلم مطلقاً لاحتمالات تجاوز الوسائط الرقمية لتلك التكنولوجيا القديمة. واستطاعت "كوداك" أن تحقق أرباحها السنوية المتوقعة، على رغم هبوطها من قائمة أكبر الشركات مبيعاً وربحية على نطاق العالم بأسره. ومثلها تنظر الخدمة البريدية الأميركية اليوم إلى المستقبل وكأنه نسخة جديدة من الحاضر، فوفقاً لتقرير نشره "مكتب المحاسبة الحكومي" في شهر أبريل الماضي، فقد اعتمدت شركة "يو. إس. بي. إس" في استثماراتها على زيادة عمليات تسليمها للبريد التقليدي، بناء على ثقتها في تزايد الحاجة المستقبلية إلى خدمتها البريدية التقليدية. وعلى رغم تقديرات الشركة، فقد انخفض تسليم الخدمة البريدية الممتازة إلى نسبة 22 في المئة خلال الفترة الممتدة من عام 1998-2007. كما انخفضت هذه الخدمات مرة أخرى في العام الماضي بنسبة 13 في المئة، لتنخفض مرة ثالثة بنسبة 3 في المئة خلال النصف الأول من العام الحالي. حدث ذلك رغم كثرة الرسائل الواردة من مكتب الإحصاء السكاني. ولعل الخطوة الأولى المهمة التي تتجنب بها الخدمة البريدية المصير، الذي انتهت إليه شركة "كوداك" هي الاعتراف بألا علاقة لمستقبلها مع أدائها الحالي أو حاضرها. ذلك أن كل ما له صلة بالمعلومات سوف يرسل إلكترونياً في المستقبل. وعليها أن تدرك أن شبكة الإنترنت أكثر سرعة وأرخص وأكثر سهولة للراسل والمستقبل معاً. والحقيقة أن الرسائل البريدية الإلكترونية قد طغت سلفاً على الرسائل التقليدية العادية. وهذه ليست سوى بداية التحول الرئيسي، الذي سوف يحدث للخدمة البريدية عموماً. ففي مجال التعامل المالي مثلاً، سوف يلجأ الكثير من الناس لإرسال الأموال عبر حسابات "بي بال"الإلكترونية بدلاً من إرسال الشيكات البريدية التقليدية. وكما تثبت الممارسة العملية، فسوف يحمل الكثير من المشاهدين والقراء الأفلام والكتب التي يرغبون فيها من شبكة الإنترنت، وكذلك يحصل المستثمرون على المعلومات التي يريدونها إلكترونياً...إلى آخره. غير أن مستقبل شركة "يو. إس. بي. إس" يعتمد أيضاً على الأشياء والمنتجات التي لا بد من تسليمها فعلياً، مثل أجهزة الكمبيوتر والأحذية وغيرها. ففي هذه المسائل لا مجال لمنافسة شبكة الإنترنت فيها. ولشركة "يو. إس. بي. إس" من الأصول والإمكانات في هذا المجال ما يمكنها من التفوق على المنافسين، على رغم ما تشير إليه التقارير من مضاعفة أرباح شركة "يو. بي. إس" خلال الربع الثاني من العام الحالي، لتصل إلى ما يقارب 845 مليون دولار مقارنة بأرباحها في العام الماضي، مقابل تراجع أرباح واستثمارات شركة "يو. إس. بي. إس". ولكي تبني الأخيرة مستقبلاً باهراً لها، فإن عليها أن تبدأ بالمستقبل أولاً في اتجاه الحاضر وليس العكس. ويطالبها ذلك بوضع تقديرات صحيحة لحجم استثماراتها المستقبلية خلال فترة تتراوح بين خمس إلى خمس عشرة سنة قادمة، مع تصميم نموذج استثماري قادر على البقاء والازدهار في ظل سيناريوهات المستقبل هذه. وعندها تستطيع الشركة أن تقرر بشأن التغييرات الجذرية التي يتعين عليها إجراؤها على خدماتها. بعبارة أخرى فإن على شركة "يو. إس. بي. إس" تصميم جسر عبورها إلى المستقبل أولاً، ثم تعمل على تنفيذه وبنائه. كما يتعين عليها مراقبة مختلف عملياتها وخدماتها خلال السنوات المقبلة، حتى تتأكد من أنها لم تفرط في التفاؤل بمستقبلها مثلما حدث لشركة "كوداك"، وينبغي لها أن تستعد لتكييف نفسها على تحولات المستقبل الإلكتروني. -------- بول بي. كارول وشونكا موي مؤلفا كتاب "دروس المليار دولار" ورئيسان لمجموعة "ديفيلز أدفوكيت" -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"