يوم الخميس الماضي، اعتبرت محكمة العدل الدولية أن إعلان استقلال كوسوفو "لم ينتهك القانون الدولي العام". المحكمة أصدرت رأيها الاستشاري في الاستقلال، الذي أعلن عنه في 17 فبراير 2008، بيد أن الخطوة التي اتخذتها المحكمة، تعيد كوسوفو إلى الواجهة مرة أخرى، بعد مرور أكثر من عامين على استقلالها، وعقب المواقف الدولية التي تم اتخاذها سواء بالاعتراف أو التحفظ أو رفض الاعتراف بالدولة الجديدة، علما بأن طرح إعلان استقلال كوسوفو على المحكمة قد جاء بطلب من صربيا، التي لا تعترف باستقلال الإقليم عنها. وفي معرض تعقيبه على قرار المحكمة، اعتبر "فاتمير سيديو" رئيس كوسوفو أن الرأي الاستشاري للمحكمة "يبدد آخر الشكوك بالنسبة للدول التي لم تعترف بعد باستقلال بلاده". "سيديو" صاحب مقولة: (إن إعلان الاستقلال هو بداية تاريخ جديد لدولة كوسوفو الديمقراطية، والتي طالما تطلع شعبها للحرية والاستقلال بعد معاناة دامت قروناً)، لاشك سيستثمر القرار، لتعزيز موقف بلاده، التي تشهد الآن دعماً من الولايات المتحدة، حيث دعت وزيرة خارجية الأخيرة الدول الأوروبية إلى "التوحد وراء قرار المحكمة، فالفرصة سانحة للمضي قدما نحو النهوض بالدولة الجديدة في كافة المجالات. "سيديو" الذي يتحدث الانجليزية والفرنسية بطلاقة من مواليد 23 أكتوبر 1951 بقرية باكاستيكا بالقرب من مدينة بودوييفو شمال كوسوفو، حيث أنهى تعليمه الابتدائي والتعليم الثانوي. وتخرج عام 1974 من كلية الحقوق بجامعة بريشتينا، وحصل على درجة الدكتوراه في القانون من الجامعة نفسها. وشغل فيها منصب أستاذ في كلية الحقوق وكلية العلوم السياسية. وحصل في 28 يونيو 2006 على الدكتوراه الفخرية من جامعة تيرانا الألبانية. كما أمضى بعض الوقت في جامعة (باريس2) وجامعة ولاية أريزونا، وغيرهما من أجل التدريب على بعض الأمور التخصصية، وأنتج الكثير من المقالات العلمية في المجالين التشريعي والدستوري، ولديه عدد من الكتب التي تتناول مسائل قانونية. وعن مسيرته السياسية فقد كان أحد أعضاء "رابطة كوسوفو الديمقراطية"، التي تأسست عام 1989 كان عضواً بارزاً فيها منذ تشكيلها في التسعينيات على يد مجموعة من المثقفين بقيادة إبراهيم روجوفا، أول رئيس لكوسوفو. وانتخب "سيديو" بعدها بثلاثة أعوام عضواً في مجلس رئاسة الرابطة، ثم أصبح في 1994 أمينها العام، كما تم انتخابه عام 1992وأيضاً في عام 1998 عضواً في برلمان كوسوفو، الذي شغل فيه منصب أمين عام البرلمان ورئيس لجنته للشؤون الدستورية. تولى "سيديو" السلطة في 10 فبراير 2006 بعد وفاة إبراهيم روجوفا، وتم انتخابه للمنصب ، حيث فاز بأغلبية 80 صوتاً من أصل 120 هي إجمالي أصوات الجمعية العامة في كوسوفو. الخلفية القانونية لـ"سيديو" تجعله مؤهلاً للتعامل مع التطورات التي تمر بها بلاده في مرحلة ما بعد إعلان الاستقلال، وذلك استناداً لمنطق البناء على ما تحقق من نجاحات، فمن الواضح أن الرئيس ربح جولة محكمة العدل الدولية، التي أقرت بأن استقلال كوسوفو لم ينتهك القانون الدولي، وبدا واضحاً أن محاولة البحث عن مثلب قانوني يشوش على الاستقلال لم تسفر عن أي نتيجة، اللهم تعزيز واقع الدولة الجديدة، وربما تشجيع أطراف دولية جديدة على الاعتراف بها، ولفت انتباه الاتحاد الأوروبي مجدداً للوضع في البلقان. وفي خطاب ألقاه يوم 12 يوليو الجاري أمام برلمان كوسوفو، أكد "سيديو" على الإنجازات التي تحققت خلال عامين ونصف من وصوله إلى السلطة، فثمة تقدم أحرز في بناء مؤسسات ديمقراطية، وفي تطوير الدستور، الذي شارك في إعداده، إضافة إلى تأسيس جهاز أمن ووكالة استخبارات، وإجراء انتخابات محلية في نوفمبر الماضي، وهي أول انتخابات تجريها البلاد برعاية مؤسسات وطنية، وأيضاً في ظل وجود مراقبين محليين وأجانب. وتطوير العلاقات الخارجية للدولة البازغة، مهمة استراتيجية، ولهذا يؤكد "سيديو"إن بلاده لديها علاقات ممتازة مع مقدونيا وألبانيا ومونتنيجرو، وهو يقول إنه تشرّف باستضافة المؤتمر الثالث للقادة الإقليميين في يونيو الماضي، وخلال المناسبات الثلاث تم التأكيد على عملية التكامل الإقليمي، وتدشين منطقة "تشينجن مصغرة" في البلقان، وهي فكرة كان قد اقترحها قبل عامين، من خلالها يتم تسهيل الحركة والتنقل، وتدعيم التعاون الاقتصادي في كافة المجالات بين دول المنطقة، إضافة إلي الزيارات الخارجية التي أجرى خلالها مباحثات بتركيا في فبراير الماضي، وألمانيا في مايو الماضي، وفي الشهر نفسه، حضر "المنتدى العالمي للاقتصاد الإسلامي" في ماليزيا، وشارك في حفل استقبال على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر الماضي. احتواء الأقلية الصربية، وما يدور حولها من إشكاليات، بند مهم في استقرار كوسوفو، فوقوع أية توترات في المناطق التي تقطنها هذه الأقلية، يثير "تساؤلات" حول حقوق الأقليات في الدولة الجديدة، وهو ما تصر قيادات كوسوفو على الالتزام بضمان هذه الحقوق. وحماية الأقليات لا تزال ضمن دائرة اهتمام قوات حلف شمال الأطلسي في كوسوفو "كيفور"، وضمن هذا الإطار صرح أمين عام الحلف، بأن (رأي المحكمة لا يغير شيئاً في المهام الموكلة إلى قوة الناتو، وذلك -على حد قوله- من أجل الحفاظ، وبشكل محايد، على جو من الأمان والحماية في مجمل أراضي كوسوفو، ولصالح كافة الجماعات الأكثرية منها والأقلية). علماً بأن الرئيس يريد أن يكون تقليص حجم قوات "كيفور" لاحقاً لسياسات مشتركة من الاتحاد الأوروبي ترمي إلى تحسين الحالة الأمنية في كوسوفو، من خلال تعزيز قدرات أجهزة الأمن المحلية كالشرطة وقوات الأمن. وبين تحديات البناء والتأسيس التي قد تمتد طويلاً، ومتطلبات حشد الاعتراف من أكبر عدد ممكن من الدول وتعزيز أطر التعاون على الصعيدين الإقليمي والدولي، لا يزال أمام "سيديو" القانوني والسياسي، جهود كبيرة لحشد كامل الدعم الأوروبي لبلاده، خاصة وأن خمس دول في الاتحاد الأوروبي لا تزال غير معترفة باستقلال كوسوفو وهي: إسبانيا وسلوفاكيا ورومانيا واليونان وقبرص. لكن اعتراف 69 دولة من بينها الولايات المتحدة و22 دولة أوروبية، سيعزز الأمل لدى "سيديو"، في لحاق بقية بلدان الاتحاد الأوروبي بالدول التي اعترفت باستقلال بلاده، وسيوفر فرصة كبيرة لتدعيم مؤسساتها التي تحتاج إلى مزيد من الدعم. طه حسيب