كان المفكران البارزان اللذان رحلا عنا مؤخراً "الجابري" و"نصر أبو زيد" قد اشتغلا كثيراً على الإشكالية التراثية. وقد تقاسمت معهما هذا الهم وجوه فكرية مرموقة، بداية بحسين مروة وطيب تزيني (وهما أول من دشن هذا المسلك). وعلى الرغم من الاختلاف الجلي بين هؤلاء الأعلام، من حيث الرؤية والمنهج، فإن ما يجمعهم هو هذا التصور للتقليد العربي الإسلامي – الوسيط بصفته "تراثا" يتعين علينا تحديد الصلة به في وضعنا الراهن. قد يبدو هذا التصور بديهياً، لا يستثير إشكالاً. بيد أنه في الواقع يعبر عن مقاربة محددة السياق والمرجعية، جديدة المنشأ. ففضلاً عن كون هذه العبارة لم تستخدم في تاريخ الفكر الإسلامي الوسيط للتعبير عن حالة ثقافية، فإن رواد النهضة الحديثة لم يستعملوها، مفضلين الحديث عن الإسلام كعقيدة وحضارة في مقابل الغرب. وتعني عبارة التراث بالمفهوم الجديد أمرين أساسيين هما: أولًا: تأكيد البعد التاريخي الفاصل بين الثقافة الموروثة والفكر المعاصر. فالتراث هنا نمط من التركة التي نمتلكها، والسؤال المطروح هو كيف يتعين علينا التصرف فيها، علما أنها تحفة من الماضي الغابر. ثانياً: إن المدخل المنهجي لمقاربة التراث هو إبرازه في سياقاته الخاصة المتميزة، سواء تعلق الأمر بالسياق اللغوي الدلالي، أو الاجتماعي الاقتصادي، أو الرمزي الأنثروبولوجي. ولا فرق هنا بين الاستراتيجيات الثلاث الشائعة في مقاربة التراث: القطيعة الأبستمولوجية (الجابري) أو القطيعة التأويلية (نصر أبو زيد)، أو النقد الأيديولوجي (مروة وتزيني وصادق جلال العظم). صحيح أن المقاربات الثلاث لا تخلو من تأويلية وصل (مع التراث) تبدو في مستويين بارزين:الانتقاء الإيجابي داخل الخريطة التراثية (إعادة الاعتبار للنزعات المدعوة مادية أو عقلانية أو ثورية)، أو الدمج التجاوزي للتراث على نحو هيغلي غائم (التركيز على بعد الرسالة والمقصد). إن ما نريد أن نبينه هنا هو أن التصور التراثي للتقليد الإسلامي ينبني على جملة من القبليات النظرية التي تحتاج إلى وقفة نقد وتمحيص، وسنكتفي بالإشارة إلى ثلاث منها: أولاً: توهم إمكانية الفصل الحاسمة بين النص وقارئه، أي النظر إلى النص كأثر لمؤلف يتحكم في معناه ودلالته، وما علينا سوى الحفر لاستعادة هذا "المعنى الأصلي" المخفي وراء طبقات التاريخ. ومن المعروف أن هذا التصور للنص قد قوضته المقاييس اللسانية والسميولوجية (من السميولوجيا: علم الدلالة) الجديدة التي أعلنت "موت المؤلف"، وكشفت البنية الدلالية المستقلة للنص وثراء وتعددية القراءات المشروعة الممكنة له (صراع التأويلات بلغة بول ريكور). ومن الواضح أن مناهج العلوم الإنسانية المطبقة على النص الإسلامي الوسيط لدى المدرسة التراثية وإنْ وظفت على نطاق واسع الأطروحات اللسانية والبنيوية، والتفكيكية أحياناً، إلا أنها ظلت حبيسة المنظور الانفصالي الساعي إلى اختزال هذا النص في بعده التاريخي المنقطع عنا. وما فات أصحاب هذا المنهج هو إدراك حقيقتين مترابطتين هما: أن النص يكسب تميزه الخاص عن طريق عملية الكتابة إزاء مقصد مؤلفه، وكذا إزاء متلقيه الأصليين وإزاء ظروف إنتاجه الحافة (ثلاثية التميز الدلالي لدى ريكور)، وأنه ليس مجرد منتج معرفي، بل ينغرس في تجربة وجودية إنسانية فسيحة، ويحيلنا إلى عالم ننتمي إليه راهناً بقدر ما يقدم لنا جملاً ومفاهيم ومعاني. فما يهم في النص ليس دلالته، بل هذا الكون الواسع الزاخر بالرموز والدلالة الذي يسمح لنا بالولوج إليه. ثانياً: النظر إلى التقليد في تناقض مباشر وحاسم مع الحداثة منظوراً إليها بحسب التعريف التنويري السائد كتجسيد للإرادة الذاتية الحرة في مضمونها العقلاني النقدي. فما يميز الحداثة، هو الخروج على سلطة التقليد المعيقة لحرية الفكر والممارسة، سواء تعلق الأمر بالسلطة الدينية أو العائلية أو التربوية. فالتقليد هو التواطؤ وطغيان الحكم المسبق والوثوقية غير البرهانية، والحداثة هي العقلانية المنهجية الاستدلالية غير المقيدة. بيد أن الفيلسوف الكبير"جادمير" يبين لنا أن التقليد داخل في صميم العقلنة وليس مرادفاً بالضرورة للتعصب والدوغمائية. فالتقليد هو تعبير عن الخروج عن انكفائية الذات النرجسية المغلقة، وإطار للتواصل والإبداع والحوار واعتراف للآخر بالأولوية على الاستبطان الشخصي، وتأكيد على محدودية الظرف الإنساني وتاريخيته. ومن ثم، فإن عقلنة التنوير تقوم على وهمين متلازمين هما ادعاء إمكانية الفصل في الثقافة الإنسانية بين بعدي المعقول واللامعقول، والإيمان بقدرة الذات الفردية غير المتعينة على بناء سلاسلها البرهانية باستخدام أدوات العقل ومناهجه، إغفالاً للطابع التواصلي الاجتماعي للعقل الإنساني. وما ينبغي التنبيه إليه هو أن الفكر الإنساني (بما فيه الفلسفات البرهانية)، ينبع من الرموز والأساطير الكبرى، التي تشكل مصادر القيم ونوازع الفعل، كما أدرك كانط نفسه في معالجته للعقل العملي (الأخلاق والسياسة). فلا مناص من تداخل وتشابك بعدي النقد والاقتناع (أي الإيمان)، وصولًا إلى ما عبر عنه الفيلسوف الأميركي "جون راولز" بـ "القناعات الموزونة "، أي التي تتحرر من الأحكام المسبقة، وتخضع بانتظام للمراجعة النقدية. فثمة قناعات وإيمانيات عقلانية لا يمكن البرهنة عليها بالدليل المنطقي لأنها متجذرة في أفهامنا القبلية للعالم (دعاها ريكور الحقائق الاستعارية). ثالثاً: أن التقليد المدعو تراثاً يشكل عبئاً على مشروعنا النهضوي التحديثي، لما يميز ثقافتنا من استمرارية واتصال، ومن ثم ضرورة تفجير ثورة ثقافية أو القيام بنقد كامل للعقل. والواقع أن اعتبار مسلمي اليوم "كائنات تراثية" مجرد وهم زائف. فالمسافة الإبداعية في تمثلات الجمهور وممارساته العينية متقدمة على وعي المثقفين المهووسين بإشكالية الأصالة والمعاصرة. فحركية الفقه تبدو مثلًا عاجزة عن التأقلم مع الصيغ الجديدة للتدين، وعموم المسلمين لا يعيشون تأزماً في الوعي بين اندماجهم النشط في ديناميكية الحداثة قيماً ومعارف ومنتجاً استهلاكياً مع تجذر حقيقي في التقليد الديني إيماناً وشعائر. وقد يكون حال المجتمعات الإسلامية اليوم أقرب للحداثة الأميركية التي لم تجتث فيها الحالة العلمانية الحيوية الاجتماعية للدين.