بعد أكثر من سبعة أعوام من الحرب على العراق، وبعد مرور عقدين على كارثة الغزو والاحتلال الصدامي لدولة الكويت، ما زال العراق في وضع الدولة غير الطبيعية، مستمراً في البحث عن موقع له في النظام الإقليمي، ليعود ويلعب دوره الذي يستحقه بعد أن يتصالح مع واقعه وجيرانه وخاصة الدول التي تأذت من سياساته، ومن المغامرات المكلفة للنظام السابق التي كانت هي السبب الرئيسي لما آلَ إليه حال العراق اليوم. وقد عانى العراق من الاحتلال، ويتعرض للتدخل في شؤونه من قبل جيرانه الأقوياء، وفيما الأميركيون يتحضرون للانسحاب العسكري، الذي سينهون فيه سحب قواتهم المقاتلة مع حلول نهاية أغسطس القادم، ليكملوا انسحابهم الكامل في نهاية ديسمبر 2011 كما تنص عليه اتفاقية "سوفا"، في هذا الوقت يستمر أيضاً التعثر السياسي والصراع على تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بعد مرور عدة أشهر على الانتخابات البرلمانية. وهكذا عاد العراق للواجهة مجدداً، وعلى أكثر من صعيد، سواء عن طريق الصراع الداخلي على التوازنات والتعقيدات التي تتصارع لتنعكس في شكل احتقان داخلي مرافق لتشكيل الحكومة، أو من خلال الخلافات التي تطفو على السطح وفي خطوط التحالفات بين القوى الوازنة في المشهد السياسي العراقي، مع تراجع فرص رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، ومطالبات حلفاء الأمس له بالتنحي، وصولاً إلى مصالحات سياسية ملفتة بين خصميه إياد علاوي ومقتدى الصدر، ومطالبات عمار الحكيم للمالكي بترشيح بديل عنه لرئاسة الوزراء. ومع بقاء أميركا كقوة احتلال، إلا أنها أصبحت بلا نفوذ، والدليل عجزها عن الدفع بتشكيل حكومة عراقية طال انتظارها على رغم مطالبات أوباما، وزيارة نائبه بايدن، واتصالاتهما المتكررة، فيما تبرز إيران لاعباً مؤثراً هناك. والراهن أن كلاً من الولايات المتحدة الأميركية وإيران عينت سفيراً جديداً لها في بغداد. وقد سارع السفير الأميركي الجديد جيمس جيفري باتهام إيران، أمام "لجنة العلاقات الخارجية" في مجلس الشيوخ الأميركي بأنها تسعى إلى ضمان بقاء العراق بلداً صديقاً لها. ولذلك تسعى لإبقاء العراق ضعيفاً لتمارس نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني عليه. أما قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال "راي أوديرنو"، فقد أكد أن "الإيرانيين يواصلون تمويل وتدريب وتقديم أسلحة وذخائر إلى مجموعات شيعية متطرفة "، وأن "فيلق القدس، وهو وحدة نخبة في حرس الثورة الإيراني، يقوم بتدريب وتمويل هذه المجموعات"! ومن جانب إيران، التي تشعر بأنها باتت محاصرة من قبل القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة، عينت، هي أيضاً، سفيراً جديداً في بغداد هو حسن دانائي، وكان نائب قائد القوات البحرية في الحرس الثوري "ومسؤولاً عن المساهمة الإيرانية في إعمار العتبات المقدسة في الكاظمية وكربلاء والنجف خلال السنوات الماضية". مما يعني أن إيران تريد أن تلعب دوراً أكبر في الشأن العراقي بعد الانسحاب العسكري الأميركي من بلاد الرافدين، وخاصة أن السفير الإيراني الجديد من مواليد بغداد ويتقن اللغتين العربية والكردية، ويتمتع بفهم واطلاع واسعين فيما يخص الشأن العراقي، كما تربطه شبكة علاقات مع القوى السياسية العراقية أيضاً. وعلى صلة بالشأن العراقي، كان ملفتاً بشكل غير مسبوق خلال الأيام الماضية ذلك الجدل الواسع في بريطانيا (التي شكلت لجنة شلكوت للنظر في خلفية المشاركة البريطانية في الحرب على العراق)، حول تلك المشاركة، وهو جدل مرشح، على ما يبدو، للاستمرار لفترة ليست بالقصيرة، وسيحرج الحكومة البريطانية دون شك. وكان الأكثر لفتاً للنظر، بصفة خاصة، تلك الجرأة التي تحدث بها نائب رئيس الوزراء البريطاني الجديد وزعيم حزب "الديمقراطيين الأحرار" نِك كليج في جلسة علنية في مجلس العموم البريطاني، وهو يوجه انتقادات لوزير الخارجية البريطاني إبان الحرب على العراق "جاك سترو"، حيث علق فيما وُصف بأنه زلة لسان بقوله: "ربما يتعين علينا يوماً ما أن ننتظر مذكراته (سترو) حيث يمكن محاسبته على دوره في أكثر القرارات الكارثية على الإطلاق، وهو الغزو غير القانوني للعراق". وبهذه الكيفية وصف نائب رئيس الوزراء البريطاني الحرب على العراق بأنها غير قانونية وبأنها أكثر القرارات كارثية، ليُسجل بذلك تغيراً نوعيّاً في المقاربة السياسية وكيفية قراءة الحرب، وهو تغير ينبغي التوقف عنده طويلاً، وخاصة أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد ديفيد كاميرون كان قد صوت مع حزبه (المحافظون) على المشاركة في الحرب، مما يعني أن كلام "كليج" قد يسبب إحراجاً لشريكه الكبير، وقد يدفع إلى إعادة النظر في هذا الائتلاف السياسي غير المتجانس من الناحية الإيديولوجية. وكانت قد سبقت تصريحات "كليج" المدوية تلك، تصريحات أخرى لإليزا مانينغهام بولر مديرة الاستخبارات البريطانية "MI-5" إبان الحرب على العراق، حيث وصفت لائحة الاتهامات التي قدمتها الحكومة البريطانية لتبرير المشاركة في الحرب على العراق بأنها غير كافية، بل حتى كاذبة، وبأنها لم تستند إلى تقارير الاستخبارات، مشيرة إلى أنها حذرت حينها -كما أعلنت مؤخراً- من أن غزو العراق سيزيد من خطر التهديدات الإرهابية في بريطانيا في حال مشاركتها في الحرب على العراق. ومؤكدة أيضاً أنها نبهت إلى مخاطر زيادة "تشدد" جيل من الشباب منهم مواطنون بريطانيون! وهذا ما حدث بالضبط بتفجيرات مترو الأنفاق عام 2007، التي نفذها بريطانيون من أصول باكستانية، مما يؤكد صحة المخاوف فيما ذهبت إليه مديرة الاستخبارات البريطانية السابقة. وفي المجمل فإن أشباح العراق ستبقى تطارد العراقيين أنفسهم في الداخل، وكذلك من شارك من القوى الكبرى في الحرب عليه. وهذا الواقع سيتسمر إلى أن يتحول العراق إلى دولة طبيعية تعيش بأمن وسلام ومصالحة مع نفسها وجيرانها ومحيطها. وحتى يحين ذلك، ستبقى أشباح وكوابيس العراق تؤرق الكثيرين في الداخل والخارج معاً!