لقد خرجت الوكالات والأجهزة الاستخبارية الأميركية عن السيطرة مجدداً. وليس المقصود بهذا تمرد الأجهزة الاستخبارية وإدارتها لحروب وعمليات سرية خاصة، بهذه الطريقة أو تلك. كما ليس مقصوداً أيضاً التحايل البيروقراطي على إدارة الأموال المخصصة للعمل الاستخباري وإنفاقها بطرق غير مشروعة، أو تنفيذ برامج لم يقرها الكونجرس. وإنما حدث الآن خروج الأجهزة والوكالات المعنية عن السيطرة بطريقة أكثر وضوحاً هذه المرة، وبمباركة أرفع المؤسسات القيادية في أميركا. فمنذ هجمات 11 سبتمبر، ازدادت ميزانية الأجهزة الاستخبارية بما يتجاوز الضعف، بينما انخفض مستوى التنسيق بين هذه الأجهزة البالغ عددها 16 جهازاً، وكثيراً ما كررت عمل بعضها بعضاً في حقيقة الأمر. وفي المقابل يلاحظ عجز البيت الأبيض والكونجرس عن فرض سيطرتهما على تشتت الجهود الاستخبارية. وقد نجحت صحيفة "واشنطن بوست" بالفعل في توصيف هذه المشكلة عبر سلسلة من المقالات التي نشرتها خلال الأسبوع الحالي. فقد كتب كل من المحررين "دانا بريست" و"ويليام. إم. آركين" عن مشاركة ما يزيد على 1200 وكالة ومكتب حكومي، إضافة إلى نحو 2000 مقاول خارجي، في أنشطة وعمليات لها صلة بمكافحة الإرهاب. وينفق على كل هذه الجهات التي تعد حوالي 50 ألف تقرير استخباري، نحو 75 مليار دولار سنويّاً، مع التذكير بعدم قدرة الحكومة على "هضم" كل هذا العدد الهائل من التقارير الاستخبارية المقدمة إليها. وعلى رغم نفي الحكومة لهذه الأرقام والإحصاءات، فإنها لا تستطيع نفي وجود المشكلة نفسها. وفي تصريح لصحيفة "واشنطن بوست" قال "جيمس آر. كلابر" إن الولايات المتحدة تدير عدداً كبيراً من البرامج السرية الاستخبارية، ولا يعلم أحد ما تقوم به كل تلك البرامج والعمليات. يذكر أن "كلابر" مرشح من قبل أوباما لمنصب مدير الاستخبارات الوطنية، وهو الشخص الذي ستناط به مسؤولية السيطرة على هذه الفوضى الاستخبارية. بقي أن نقول إنه ليس في هذه الفوضى ما يثير العجب. فعقب وقوع هجمات 11 سبتمبر -التي يسود الاعتقاد بأنها لم تحدث إلا نتيجة فشلنا الاستخباري- أغدقت إدارة بوش والكونجرس الإنفاق على الأجهزة والعمليات الاستخبارية، على أمل ألا يتكرر وقوع هجمات مشابهة في المستقبل. وعلى رغم فهمنا لتلك النوايا، فقد نتج عن ذلك الإنفاق الكبير، تضخم استخباري، بينما انفتحت شهية المقاولين والمستثمرين بعد أن لاحت أمامهم فرص جديدة للحصول على المزيد من الأرباح والأموال. وقد كان كل ذلك متوقعاً بالطبع. أما النتيجة النهائية فهي إهدار المال العام على فوضى استخبارية غير فاعلة. وبعد ما يقارب العقد من الزمن على تلك السياسات، ورثت إدارة أوباما الحالية جهازاً استخباريّاً متضخماً عاجزاً ولا يفعل شيئاً سوى إهدار المال العام. والأهم من ذلك أنه فشل في معالجة الضعف الاستخباري الذي فتح الطريق أمام هجمات 11 سبتمبر. والدليل أن كل هذه الوكالات والأموال، لم توقف الطالب النيجيري عمر الفاروق عن الشروع في محاولته الهادفة إلى تفجير طائرة تابعة لخطوطنا الجوية أثناء هبوطها في مطار ديترويت في صباح الاحتفال بأعياد الميلاد العام الماضي. ولم تمنع تنفيذ تلك المحاولة يقظة أي من وكالاتنا الاستخبارية، وإنما نباهة أحد ركاب خطوط "نورث ويست" المسافرين على متن الطائرة المستهدفة نفسها. وأحد العوامل التي ساعدت ذلك الطالب على الاقتراب من تنفيذ خطته هي عدم تبادل المعلومات بين أجهزتنا ووكالاتنا الاستخبارية. ولا تزال هذه المعضلة مستمرة حسب الإفادة التي قدمها "كلابر" إلى لجنة تابعة لمجلس الشيوخ قبل أيام. وقد وصف "كلابر" المشكلة بأن تحسناً نسبيّاً تحقق في معالجتها، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى حل نهائي حاسم. وهذا هو الواجب الذي ينتظر "كلابر": تقليص الأجهزة الاستخبارية وتحسين أدائها. دويل ماكمانوس كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. تي. سي. إنترناشيونال"