تحديات المهمة الفرنسية في جنوب لبنان... وتعقيدات الالتزام الدولي في أفغانستان استقطبت اهتمام كُتاب افتتاحيات ومقالات رأي الصحف الفرنسية موضوعات عديدة من أهمها تبعات قضية "بيتانكور" المتهم فيها وزير العمل "أريك وورث" بالمحاباة والفساد، وأجواء الاحتقان المحيطة بوحدات "اليونيفل" الفرنسية في جنوب لبنان، واستحقاقات استكمال المهمة الدولية في أفغانستان. تبعات قضية "بيتانكور" على رغم تراجع الاهتمام بقضية "وورث- بيتانكور" في الصحف الفرنسية، واكتفاء معظمها، بعد أن هدأت الزوبعة نسبيّاً، بمتابعة استحقاقات وتداعيات القضية المستمرة لدى جهات التحقيق والقضاء، إلا أن الأبعاد السياسية المترتبة عليها ما زالت تستثير شهية بعض كتاب الافتتاحيات وصفحات الرأي. الكاتب فابريس روسيلو انتقد في افتتاحية صحيفة ليبراسيون استراتيجية الإنكار التي يداوم "وورث" وزوجته "فلورانس"، على اتباعها في مواجهة تعاظم تهم الفساد وإساءة استخدام المنصب، ومع انكشاف كل مفاجأة جديدة ضمن أطوار القضية. ولكن المشكلة تكمن في أن الرأي العام الفرنسي لم يعد مستعداً للاقتناع بهذا الإنكار المتواصل، لأنه فقد الثقة أصلاً في الطبقة الحاكمة بصفة عامة. وبسبب هذه الفضيحة، تكشفت مفارقات علاقات الظل بين عالم السياسة وعالم المتنفذين والأثرياء في البلاد. والسبب في كل ذلك هو ساركوزي نفسه، الذي جعل منطق المال والنفوذ لغة وطريقة في ممارسة الحكم. والحاصل أن الرئيس فقد اليوم أية مصداقية أو أمل في إنجاز ما كان يريده "جمهورية فوق الشبهات"! في الحلقة الأخيرة من أحاديث الفساد ها نحن نسمع عن أحد وزرائه من المغرمين بالسيجار الفاخر، وآخر غارق في الممارسات المالية المشبوهة، والمحابية لأفراد النخبة السياسية والمالية. واليوم وقعت الفأس في الرأس، فقد انفصلت الطبقة السياسية عن الشعب، ووقعت قطيعة بينهما، هي ما تركت الحظوظ السيئة للزوجين "وورث" فاتورته، التي يدفعان ثمنها الآن. وذات النبرة الناقدة نجدها أيضاً في افتتاحية لـ"فرانسوا مارتن" في "ميدي ليبر" الذي قال إن الزوجين "وورث" ما زالا يتقدمان واجهات الاهتمام الإعلامي، ليتحولا بذلك إلى ما يشبه "أسرة العام"، على خلفية قضية بيتانكور، وفساد المال.. دائماً المال! وحتى لو نجح الوزير "وورث" في إنقاذ حقيبته الوزارية، فإن القطاع الأعرض من الجمهور الفرنسي لن ينسى شيئاً مما وقع، فستبقى في الذاكرة إلى الأبد الهدية الضريبية بـ30 مليون "يورو" للثرية بيتانكور، وريثة شركة لوريال. ثم، من سينسى جزيرة "آروس" في عرض سواحل سيشل، والأرصدة المنتفخة في البنوك السويسرية، ورزم "اليورو" المتناثرة، كيفما اتفق؟! ومن جانبها كتبت صحيفة لوموند افتتاحية عن التجاذب الداخلي الذي تسببت فيه هذه القضية بين أجنحة السلطة القضائية نفسها، مشيرة إلى أن المؤسسة القضائية تفقد الآن من المصداقية بقدر ما تعتقد أنها تكسب من الفاعلية. والدرس الذي يتعين على القضاء الفرنسي استخلاصه هنا هو أن العدالة لن تستعيد مصداقيتها ما لم يتم إسناد هذا الملف إلى قاضٍ، مستقل، ومتحرر من أية سلطة. ضغوط على "اليونيفل" الكاتب جورج مالبرينو كتب في صحيفة لوفيغارو عن الضغوط الميدانية والأمنية المتنامية المسلطة على قوات "اليونيفل" في جنوب لبنان، وخاصة منها الوحدات الفرنسية، على خلفية احتقان العلاقة بين فرنسا و"حزب الله"، من جهة، وبسبب افتراق مقاربة باريس لمهمة تلك القوات الدولية الآن ومقاربات العواصم الأوروبية الأخرى، من جهة أخرى. ويرى الكاتب أن مشكلة "اليونيفل" الحقيقية هي أن الدور الموكل إليها يجعلها في موقف ضعيف، حيث لا يكاد يزيد على مهمة أخذ علم، وعد الضربات المتبادلة بين إسرائيل و"حزب الله"، تماماً كما كان حال القوات الدولية قبل حرب 2006. واليوم تواجه فرنسا، وجنودها الـ1546 في جنوب لبنان، تحديّاً مزدوجاً، وخاصة بعد تراجع اهتمام العواصم الأوروبية الأخرى بتفعيل دور "اليونيفل" أو زيادة انخراطها في مراقبة حركة تسلح "حزب الله" التي كثر حديث إسرائيل عنها مؤخراً. ومنذ مقتل 7 جنود إسبان في تفجير عام 2007 قلصت مدريد بقوة من انخراط جنودها في المهمة اللبنانية، كما يحرص الإيطاليون، وهم طرف آخر مشارك بقوة في "اليونيفل"، على عدم التحرش بـ"حزب الله" تفاديّاً لتعريض جنودهم للخطر. ولذلك لم يبق منخرطاً في المهمة بقوة سوى الفرنسيين. وقد كان الحزب يستفيد باستمرار من وجود مثل هذه التباينات والاختلافات الأوروبية في المقاربة والاستراتيجية. وللمفارقة أن الحزب أيضاً لا يرغب في انسحاب "اليونيفل"، لما توفره من فرص عمل كثيرة. "إنه يريد فقط رؤية أصحاب القبعات الزرقاء يكتفون بمهمة المراقبين، بكل بساطة"، هذا ما ينقله الكاتب عن إبراهيم الأمين رئيس تحرير صحيفة "الخبر"، المقرب من الحزب الشيعي. ويذهب مالبرينو إلى أن مشكلة "اليونيفل" تتجاوز الاحتقان الحالي مع "حزب الله"، ذلك أن الإتيان بهذه القوات الدولية المعززة، إثر توافق صعب بعد 34 يوماً من القتال بين "حزب الله" وإسرائيل، أدى مع مرور الوقت إلى وقوعها في نقطة التقاء نيران في صراع إقليمي أوسع. وزيادة على هذا ينقل الكاتب عن دبلوماسي غربي قوله إن إسرائيل لا تساعد القوات الدولية، بل تفتعل لها المشاكل، وخاصة أنها نشرت خلال الفترة الأخيرة صوراً قالت إنها دليل على عودة سلاح "حزب الله" للجنوب، وكان الغرض الضمني من ذلك المساس بمصداقية وفاعلية قوات "اليونيفل". وارتباطاً بالمشاعر المناهضة لفرنسا خاصة في جنوب لبنان، نشر الكاتب نفسه مقالاً آخر في لوفيغارو تحت عنوان "في جنوب لبنان: حزب الله يشيع أجواء معادية لفرنسا"، استعرض فيه بعض خلفيات أحداث العنف التي عرفتها قرى في جنوب لبنان ضد وحدات فرنسية، مع محاولة تفسير أسباب الصرامة الفرنسية خاصة تجاه الحزب الشيعي، وعلاقة ذلك بمواقف من السياسة الخارجية أوسع، وخاصة منها موقف باريس بشأن الملف النووي الإيراني. مستقبل الأفغان بأيديهم مؤتمر المانحين الدوليين لأفغانستان الذي انعقد هذا الأسبوع يفتح أمام كابول فرصاً كثيرة، كما يعيد طرح أسئلة ظلت تتردد خلال الأشهر الأخيرة، حول المستقبل الذي ينتظر الأفغان، والذي تتواتر التأكيدات الدولية الآن أنه سيكون، في كل الأحوال، بأيديهم هم أنفسهم. في افتتاحية لليبراسيون، خصصتها للمسألة الأفغانية، سجل الكاتب فرانسوا سيرجان قوة الالتزام الأميركي هناك، حيث إن أحد أوائل القرارات التي اتخذها أوباما كان المبادرة بإرسال زيادة في عديد القوات، كما خصص مليارات لمهمة إعادة الإعمار. ولكن جسامة التحدي المطروح اليوم في أفغانستان تبقى مع ذلك في انتظار ما هو أكثر، وخاصة أن القوى الغربية بشكل خاص ما زالت لم تتمكن بعد من فهم خصوصيات الحالة الأفغانية ثقافيّاً وقبليّاً، بل إن هنالك من الأفغان من ينظر إلى الجنود الغربيين بصفة خاصة نظرة سلبية، وينتظر انسحابهم، في القريب العاجل. وقد باتت أطراف عديدة الآن في أفغانستان تفكر في مرحلة ما بعد الانسحاب الغربي، بما في ذلك الحكومة الأفغانية نفسها. وفي سياق متصل انتقدت افتتاحية للوموند السياسة الفرنسية المتبعة في الملف الأفغاني تحديداً، معتبرة أن الفرنسيين العاديين لم ينالوا أبداً حقهم في معرفة الحقيقة بهذا الصدد، بل ظلوا يسمعون في كل مرة أنصاف- حقائق، حول تلك الحرب التي يخوضونها في بلد بعيد، وهي حرب شرعتها الأمم المتحدة أصلاً لطرد منظمة "القاعدة" الإرهابية من أفغانستان، وهذا الهدف تحقق بالفعل منذ سنة 2002. ولكن منذ مؤتمر بون سنة 2001 أضاف الغربيون إلى المهمة الأصلية مهمة أخرى إضافية هي سياسة بناء الأمم في أفغانستان. وهذه المهمة على وجاهتها تبقى مع ذلك معقدة للغاية، وصعبة التحقيق، لأن الأمر في الحالة الأفغانية يتعلق بإعادة بناء دولة، إن لم يكن أمة كاملة. وهذا يتجاوز طبعاً مجرد تقديم الدعم لمشروعات التنمية. إعداد: حسن ولد المختار