ربما كانت الفكرة الأكثر تردداً في الحوار العام الدائر بشأن التوقعات المستقبلية، هي ما إذا كانت الصين ستحل محل الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها القوة الدولية العظمى. وهناك من المؤرخين من سلم الآن بحتمية هذه النظرية، مثلما فعل كذلك كثير من المتنبئين الاقتصاديين، الذين لا تعطي تنبؤاتهم الحالية أي شعور بالثقة أو التفاؤل بالنسبة للزعامة الأميركية. فقد أشارت تنبؤات وتحليلات "جولدمان ساكس" على سبيل المثال، إلى أن الصين ستحل محل الولايات المتحدة باعتبارها أكبر اقتصاد عالمي بحلول عام 2027. ولكن فات أولئك المحللين أن كون اقتصاد دولة ما هو الأكبر عالميّاً، لا يعني بالضرورة أن تتحول هي آليّاً إلى قوة عظمى أولى في المسرح الدولي. كما أن سيادة العالم أو قيادته ليست ميزة بل هي بلوى وعبء أكبر بكثير مما يتصوره أصحاب النظرة السطحية، وهذا ما بدأت واشنطن اكتشافه للتو. ويعتبر كتاب "عندما تسود الصين العالم: نهاية العالم الغربي وميلاد النظام العالمي الجديد" لمؤلفه مارتن جاك، مجرد واحد فحسب بين عدد من الكتب التي نشرت مؤخراً حول هذا الموضوع. ولكن السؤال هو: لماذا ستسود الصين العالم بينما عجزت الولايات المتحدة عن القيام بهذا الدور على رغم الجهود التي بذلها "الجمهوريون" وصقور الحزب "الديمقراطي" الذين يستمع إليهم أوباما الآن؟ بالمختصر المفيد يمكن القول إن مقولة سيادة الصين القريبة للعالم لا تخلو من التبسيط. فهي تقوم على فرضية أن يتسيد الإنتاج الصناعي وحده العالم، بصرف النظر عن بقية العوامل الأخرى المهمة ذات الصلة، ومن ضمنها قدرة الدولة المعينة وفق كافة العوامل على أن تصبح قوة سائدة عالميّاً. وكما نعلم فإن للصين وجارتها الهند قدرات كامنة نظريّاً على الإنتاج الصناعي الواسع. وتفسر هذه القدرات إلى حد كبير بما للدولتين من كثافة سكانية هائلة، كما تمكنت كل منهما من مد السوق العالمية -في ظل نمط اقتصاد العولمة الحالي- بالعمالة المدربة وزهيدة التكلفة. وقد توافرت هذه العمالة أيضاً لاقتصادات بعض الدول الأخرى واستطاعت استغلالها بحكم نمط اقتصاد العولمة السائد الآن. وقبل سيادة هذا النمط، كان الصينيون والهنود يكتفون بصناعة منتجاتهم محليّاً. غير أنه يجب القول إن الصين والهند لم تبتكرا صناعاتهما الحديثة محليّاً، إنما استوردتا تقنياتها من الغرب بشكل أساسي. وتستفيد هذه الصناعة الحديثة في كلتا الحالتين من الاستثمارات الأجنبية، المعنية بإنتاج السلع للأسواق الخارجية. وليس متوقعاً لهذا الوضع الاقتصادي الدولي أن يستمر هكذا إلى أبد الدهر. فمما لا ريب فيه أن الاقتصادين الهندي والصيني باتا عرضة للمنافسة في سوق العمل، لاسيما العمالة المتوافرة في دول أشد فقراً وأقل تطوراً صناعيّاً منهما. وغني عن القول إن الصين والهند قد حققتا مكاسب كبيرة من تجربتهما هذه، ويتوقع لهما أن تفعلا ذلك في سياق تطورهما الاقتصادي في المستقبل. بيد أن الصين والهند تظلان على رغم ذلك -ولسنوات مقبلة- اقتصادين يحتلان مرتبة أقل من اقتصادات الدول الأكثر تقدماً وتفوقاً عليهما في مجالات الابتكار التكنولوجي، والتقدم العلمي العام. ولاشك أن نوعية المنظومة الصناعية والحضارية هي التي تحدد ما إذا كان في وسع مجتمع ما أن يسود العالم أم لا. فلم تسد أوروبا العالم منذ أيام الثورة الصناعية وحتى الحروب الأهلية الأوروبية المدمرة التي شهدها القرن العشرون، إلا لأن أوروبا هي التي اكتشفت قارات العالم، وقد تعلم الأوروبيون مما اكتشفوه، وتمكنوا من ابتكار العلم والتكنولوجيا الحديثة. كما تمكنت أوروبا من تنظيم مجتمعاتها على نحو غير مسبوق في تاريخ المجتمع البشري، بما في ذلك التنظيم ابتكار نظم إدارية، وتوفير مستويات معيشة للمجتمعات ضمنت للحكومات الأوروبية ولاء مجتمعاتها ودعمها لها. ولا يمكن تفسير التفوق الذي حققته أوروبا منذ عصر الثورة الصناعية وحتى القرن العشرين، بمجرد تفوقها الإنتاجي الصناعي والزراعي فحسب على بقية الشعوب والأمم، بل يفسر ذلك التفوق بتثويرها لطرائق العصور الوسطى في الإنتاج المادي وأنماط الزراعة. وفوق ذلك، تمكنت أوروبا من إنتاج الأفكار التي سادت العصر، في المجال العلمي وأيديولوجيات التقدم والحكم، وكذلك إنتاج النظريات ذات الصلة بالمجتمع البشري وآفاق تطوره المستقبلي وتنميته. ولا يزال العالم إلى اليوم يعيش على تراث عصر النهضة والاستنارة الأوروبيتين، وعلى الإرث السياسي الفلسفي الذي خلفته حضارة أثينا القديمة وتراث الحضارة الغربية عموماً. وقد نهضت الولايات المتحدة على رصيد هذا التراث الأوروبي، وتمكنت من توسيع نطاق النفوذ الغربي بفضل مجتمعها الديمقراطي المبدع، ومؤسساتها الفيدرالية، وديمقراطية صناعتها وثقافتها. واعتماداً على كل ذلك، تمكنت الولايات المتحدة منذ عام 1945 من نشر أفكارها وطموحاتها على الصعيد الدولي بأسره، علاوة على عولمة الأسواق العالمية ونظم الاتصالات..وغيرهما كثير. ومما لا ريب فيه أن الصين أيضاً حضارة إنسانية عظيمة ولها تاريخ عريق في عصرها الذهبي، وكانت لها ابتكاراتها العلمية والتكنولوجية. كما أن الصين القديمة شكلت أيضاً بفضل نفوذها الثقافي والحضاري ما أصبح يعرف حاليّاً بالشرق الأقصى. وعلى عكسها لم تكن الهند دولة مركزية قوية ذات يوم. ولكنها على رغم ذلك، تمكنت من نشر حضارة دينية لا يزال نفوذهاً ذائعاً إلى اليوم. وليس مستبعداً أن تتحول الصين إلى قوة دولية عظمى خلال نصف القرن المقبل، وأن تتحقق لها طموحاتها العسكرية، على رغم الصعوبات المحيطة بهذه الطموحات. ولكن هل يمكن للهند أو الصين -أو أيّ من الاقتصادات الدولية المعاصرة التي تحتل المرتبة العالمية الثانية الآن- أن تصبح قوة قادرة على سيادة العلم وشد الخيال العالمي نحوها؟ وهل يتوقع للأوروبيين والأميركيين أن يفتنوا خلال نصف القرن المقبل بالحضارتين الصينية والهندية ويقبلون بدورهما الجديد، باعتبارهم مجرد أفلاك ستدور حول النجم الآسيوي؟ وبعبارة أخرى: هل تسود الصين العالم حقاً؟ لا أتوقع لأحد من الأحياء الآن أن يبقى حتى يرى ذلك اليوم، لأن المسألة قد تتجاوز فترة حياة جيل. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيسز"