وفقاً للمقولات التقليدية حول مفهوم الدولة، تلعب عناصر كمساحة الدولة وحجم سوقها الداخلي أدواراً مهمة في تحديد قوتها وقدرتها الاقتصادية. ويقوم المنطق الاقتصادي التقليدي على الافتراض القائل بأنه مع بقاء العوامل الأخرى متساوية، بمعنى أن جميع الدول تقع على نفس المستوى العام من النمو الاقتصادي، فإن الدولة ذات المساحة الكبيرة والكثافة السكانية العالية تحظى بميزة على الدول الصغيرة. ويعود هذا الافتراض التقليدي إلى الفترات التي كانت فيها الدول ذات الرقعة الجغرافية الصغيرة ذات حظوظ أقل في إنتاج مواد خام متعددة، ومجال أضيق من التنوع المناخي الذي ينتج تنوعاً زراعياً يعتد به. لكن مع ولوج الاقتصاد الخدمي القائم على عناصر جديدة من تقديم الخدمات السياحية والترفيهية والمالية والمصرفية، بعيداً عن الاعتماد الكلي على المواد الخام الأولية سواء كانت صناعية أو زراعية، أصبح ذلك النوع التقليدي من الطروحات الاقتصادية ذا علاقة نسبية بقوة الدولة، سواء كان ذلك على الصعيد الاقتصادي أو السياسي. لقد أصبحت قوة الدول تُقاس بشكل أكبر بما لديها من نفوذ اقتصادي يقوم على العناصر الجديدة من وسائل خلق الثروة وتدويرها وتراكمها، وأصبحت الدول، بما في ذلك الصناعية والزراعية الكبرى منها تسعى بشكل حثيث نحو تنويع اقتصاداتها وجعلها تعتمد ربما بشكل متوازن على أنواع القوة الاقتصادية، التقليدي منها والحديث. لذلك فإن الدول التي لا تزال ضعيفة اقتصادياً في عالم اليوم، هي تلك التي ركنت إلى ما لديها من موارد اقتصادية تقليدية، والتي عادة ما تكون مادة خام واحدة كالنفط أو الحديد أو النحاس، أو إنتاج زراعي محدود يقوم على زراعة القطن أو غيره من المواد الزراعية الأولية. وهذه الدول عادة ما تتم تسميتها بالدول ذات البعد الواحد، التي تم وصفها من قبل علماء الاقتصاد بأنها كلما صغر حجم الدولة كلما قوي التركيز على الإنتاج والتصدير. وبسبب هذه الحالة أصبحت العديد من الأقطار النامية أكثر عرضة للتأثير السياسي عليها من قبل الدول التي تشتري منتوجاتها المحدودة، خاصة إذا كانت سلعاً الطلب عليها محدود للغاية، وأكثر تلك الضغوط تأتي من قبل دول الغرب الصناعية. وأيضاً فإن حساسية هذه الدول الضعيفة لتقلبات الأسعار دائماً ما تكون شديدة، والضغوط السياسية التي تقع عليها عادة ما ترتفع أو تنخفض مباشرة ارتباطاً بالطلب على السلع التي تنتجها، وبعدد الدول التي تتنافس على شراء سلعهم في الأسواق العالمية. ولأن منتجات هذه الدول الضعيفة قليلة التنوع، فإنه توجد أمامها فرص قليلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، فهي تعتمد على التجارة الخارجية بالنسبة لعدد كبير من السلع الضرورية للتنمية وتحسين مستويات المعيشة فيها. ولا يبدو بأن الدول الصناعية الغنية راغبة بشكل حقيقي في مساعدة الدول الضعيفة على النهوض، فعن طريق جهود متواضعة، يمكنها تزويد تلك الأقطار بالوسائل اللازمة لتحقيق أنماط من التنمية الحقيقية المستدامة، ربما أسهلها، ولكن أهمها هو إسقاط الديون المالية الضخمة عليها، والتي يعجز العدد الأكبر من الدول الضعيفة حتى عن تسديد أنماط خدمتها أي فوائدها.