عندما كنت في مهمة دبلوماسية إلى ليبيا عام 1989، كان علي أن أصغي إلى الخطاب الطويل الذي ألقاه الزعيم الليبي معمر القذافي لمدة تزيد على الساعة في الساحة الخضراء الشهيرة في العاصمة طرابلس. وكان ذلك الخطاب قد أُلقي احتفالاً بمناسبة الذكرى العشرين لثورة الفاتح من سبتمبر. وعندما كان القذافي برفقة عدد كبير من رؤساء وقادة الحكومات الأفريقية والعربية، من الذين توافدوا للمشاركة في تلك المناسبة الوطنية، فضلاً عن التشاور بشأن كيفية التعامل مع الهيمنة الأميركية والأطماع الاستعمارية البريطانية وغيرهما، قرر فجأة تغيير مسار الحديث ليتجه به إلى شبه القارة الهندية. وله عن تلك المنطقة نبوءة: ففي القرن الحادي والعشرين، سوف تشهد شبه القارة الهندية شحاً حاداً في الموارد المائية، ربما يؤدي إلى نشوب نزاعات مسلحة فيها. وعلى رغم اللياقة الدبلوماسية التي حاولنا إبداءها، استغرب الكثيرون من ما قال. لكن وبعد مرور عشرين عاماً على تعليقه ذاك، لاحظت أن دول شبه القارة الهندية بدت أكثر إدراكاً وتمسكاً بنصيبها من الموارد المائية المتاحة لها. وبالنتيجة فقد برز بوضوح تقاسم المياه باعتباره قضية رئيسية بين دول المنطقة والبلدان المجاورة لها: بين الهند وباكستان، والصين وبنجلاديش. وتصدق هذه الحقيقة بصفة خاصة على شبه القارة الهندية التي تعبر مياه أنهارها حدود الدول. إضافة إلى ذلك يستمر بروز مسألة الموارد المائية هذه تدريجياً باعتبارها مثيرة لعواطف الشعوب، ومن شأنها إثارة الكثير من النزاعات والقلاقل في المنطقة. والحقيقة أن المياه قد أصبحت سلفاً عاملاً مثيراً للتوترات في تلك العلاقة المعقدة المتعثرة التي تربط بين كل من الهند وباكستان. وفيما يتعلق باقتسام الموارد المائية بينهما، فإن "معاهدة المياه الإندوسية" المبرمة بين الدولتين هي التي تنظم اقتسام هذه الموارد بينهما. وتمثل نصوص المعاهدة وثيقة إرشادية مهمة في كيفية حصول كل واحدة من الدولتين على نصيبها من مياه الأنهار الستة التي تتدفق مياهها عبر حدود البلدين. يذكر أن إسلام آباد بدأت مناهضة الأنشطة الهندية المائية خلال السنوات الأخيرة الماضية. وعلى رغم أن التوترات بسبب هذه المسألة ظلت مستمرة وتتصاعد شيئاً فشيئاً بين نيودلهي وإسلام آباد منذ بضع سنوات، فمن الملاحظ أن العناصر الباكستانية المتشددة قررت فجأة استغلال المياه وسيلة لتحريض المواطنين وإثارة الكراهية العامة للهند بينهم. ففي وقت مبكر من العام الحالي، استخدم "حافظ سعيد" -مؤسس جماعة "عسكر طيبة" الذي تتهمه السلطات الأمنية في نيودلهي بأنه العقل المدبر للهجمات الإرهابية على مدينة بومباي- لإثارة كراهية الشعب الباكستاني للهند، أثناء موكب عام نظم في ذلك الوقت. واتهم حافظ سعيد حكومة نيودلهي بإنشاء سدود وخزانات مياه غير شرعية، تهدف إلى تحويل مجرى المياه الطبيعية من الأراضي الباكستانية. وقد سبقت اتهامات حافظ سعيد هذه، مزاعم مشابهة صادرة عن المؤسسة السياسية الباكستانية. ومن جانبها، نظرت نيودلهي إلى هذه المزاعم والاتهامات على أنها محاولة من إسلام آباد من أجل الحصول على نصيب أكبر لباكستان من موارد الأنهار المشتركة بين البلدين. ووفقاً لنصوص "معاهدة المياه الإندوسية" تتمتع باكستان بحقوق مائية من موارد الأنهار الثلاثة الغربية التي تتدفق إلى حدودها: نهر الإندوس، ونهر جيهلم، ونهر شيناب. وفي المقابل تتمتع الهند بحقوق كاملة في موارد الأنهار الشرقية التي تتدفق في أراضيها: سوتليج وبياس ورافي. كما ينص البند الثاني من المعاهدة نفسها على إعطاء الهند حقوقاً محددة في موارد الأنهار الغربية بغرض الاستخدام المحلي الخاص، وكذلك لأغراض الملاحة النهرية، والاستخدام المحدود لموارد تلك الأنهار في الري الزراعي لمساحة تصل إلى 1.34347 مليون فدان من الأراضي المزروعة، علاوة على توليد الطاقة الكهربائية المائية. كما تسمح المعاهدة للهند بسعة تخزينية للمياه قادرة على ري 3.6 مليون فدان من الأراضي. وتفادياً لنشوء أي مشكلة أو توتر بين البلدين، أبلغت نيودلهي جارتها إسلام آباد أنها لم تبن أي منشآت لتخزين المياه في أي من الأنهار الغربية، وأنها حتى العامين 2008-2009 لم تستخدم من مياه الري المسموح لها بها سوى مساحة زراعية هي 0.7924 مليون فدان. ووفقاً لما يقوله خبراء المياه الهنود، فإن حجم مياه الأنهار الغربية يظل متأرجحاً تبعاً لتأرجح معدلات ذوبان الجليد وهطول الأمطار. ومؤخراً كثرت شكاوى إسلام آباد لجارتها نيودلهي أمام لجان التحكيم بسبب مشروع توليد الطاقة المائية المقام في نهر "كيشنجانا" بحجة أن خزان المياه المقام في ذلك النهر ينتهك نصوص "المعاهدة الإندوسية". غير أن الخبراء الهنود يردون أزمات المياه الباكستانية إلى التزايد المطرد لكثافة باكستان السكانية، وإلى تزايد حاجتها لاستخدام المياه، وري الأراضي الزراعية. وفي الوقت نفسه هناك تعقيدات بين الهند والصين بشأن استخدام مياه نهر "براهامبوترا" الذي يمثل شريان الحياة المائي بالنسبة للولايات الهندية الشرقية. ويبدأ هذا النهر –بطول 2.906 كيلومتر- في هضبة التبت، ويتدفق في الأراضي الهندية الشرقية قبل أن يصل إلى مصبه في بنجلاديش. وبينما يمتد هذا النهر في الأراضي الصينية بطول 1625 كيلومترا، فإنه يتدفق بطول 918 كيلومترا في الأراضي الهندية، لتبقى مسافة 363 كيلومترا يجريها النهر في أراضي بنجلاديش. هذا وقد وردت أنباء منذ وقت طويل عن بناء الصين لسد فوق هذا النهر، الذي يحمل اسم "نهر تسانج بو" في هضبة التبت، مما جعل نيودلهي تتجه نحو مناقشة المسألة، طالما أن من شأن أي انخفاض في حجم المياه المتدفقة إلى الأراضي الهندية أن يؤثر سلباً على الولايات الشرقية. وعلى رغم طمأنة بكين لنيودلهي على محدودية وصغر مساحة ذلك السد، فإن المسؤولين الهنود مهتمون بالأنشطة التي تتم في مجرى النهر. وعلى رغم تبادل الدولتين للمعلومات الهيدرولوجية بينهما، فإنهما لا تملكان آلية محددة تساعدهما على كيفية اقتسام المياه بينهما. ومما لا ريب فيه أن تزداد حاجة كليهما لاستخدام كميات أكبر من المياه في المستقبل، نظراً إلى تنامي الكثافة السكانية، وتسارع النمو الاقتصادي فيهما. وهذا ما يجعل مسألة المياه عاملاً محتملاً في التأثير على العلاقات بين نيودلهي وبكين من جهة أخرى. وإذا ما أضفنا إلى ذلك كله عوامل النمو السكاني والاقتصادي في المنطقة الآسيوية المتجاورة بأسرها –بما فيها شبه القارة الهندية- وتأثيرات التغير المناخي، فإن من المرجح للتوترات المائية الإقليمية أن تتسع أكثر مما هي عليه الآن. من هنا فلا بد من الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة للتصدي للنزاعات المائية المستقبلية.