يشكل صعود الصين على الساحة الدولية واحداً من أهم التطورات التي تميز بداية القرن الحادي والعشرين، بحيث لو كتب للمؤرخين الوقوف عند حدث كبير بتداعيات متشعبة ومعقدة على غرار التغيرات المحورية التي شهدها التاريخ لاتفقوا جميعاً على بروز الصين الراهن كقوة مؤثرة على صعيد عالمي، وانخراطها في رسم سياسته وتحديد معالمه الأساسية. فالصين باقتصادها الضخم الآخذ في النمو، وبنفقاتها العسكرية المتزايدة، فضلا عن تأثيرها الجيوسياسي في محيطها القريب وفي العالم بدأت تنافس العديد من القوى التقليدية التي تجد نفسها مجبرة على التعامل مع هذا المعطى الجديد. وبالطبع ستكتسي علاقة الصين بالولايات المتحدة أهمية قصوى لضمان الاستقرار وتكريس الازدهار، وهذه العلاقة التي ستحدد مستقبل العالم، فضلا عن تأثير الرأي العام الأميركي في رسم معالمها يتناولها الكتاب الذي نعرضه اليوم وعنوانه: "العيش مع التنين: كيف ينظر الرأي العام الأميركي لصعود الصين؟" لمؤلفيه "بنيامين بيج"و"تاو كزاي" اللذين يحاولان تقديم دراسة أكاديمية انطلاقاً من موقعيهما كباحثين حول تأثير الرأي العام الأميركي في صنع السياسية الخارجية، ومن ثم تحديد طبيعة العلاقة مع الصين. بالإضافة إلى تسليط الضوء على الطريقة التي يتشكل بها هذا الرأي العام والعوامل الخارجية المؤثرة فيه. فالكتاب يرى أن المسائل المرتبطة بصعود الصين على الساحة الدولية وتحولها في ظرف وجيز إلى قوة عالمية تنافس القوى التقليدية لا تقتصر على صناع القرار الأميركيين المسؤولين عن صوغ الاستراتيجيات الأساسية في التعاطي مع الصين، بل تمتد أيضاً إلى الشارع العام وإلى المواطن الأميركي العادي الذي لاشك أنه سيتأثر بقدوم الصين كقوة عالمية، وهو ما قد يثير في نفسه مشاعر يعبر عنها بمواقف معينة تضغط في اتجاه سياسات اقتصادية، أو عسكرية قد لا تتماشى بالضرورة مع ما يريده صناع القرار. لكن قبل الدخول في تفاصيل العلاقة الأميركية- الصينية يستقرئ المؤلفان علاقة أخرى بين الرأي العام الأميركي وقادته بالرجوع إلى التاريخ تارة، وتارة أخرى بدراسة البيانات التي جمعها المؤلفان خلال دراساتهما لمواقف الرأي العام الأميركي تجاه الصين على مدى فترة زمنية معينة، بحيث استُمدت تلك البيانات من وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي بهدف الوقوف على حقيقة تلك المواقف وطبيعة العلاقة بين الرأي العام والقادة السياسيين، وهذا الهدف حتم على المؤلفين الاعتماد على المراجع العلمية والأكاديمية لمعرفة ما قاله علماء السياسة عن الصلة بين الرأي العام وصناع القرار وطبيعة التأثير المتبادل بين الطرفين. ولأن المؤلفين يحركهما اعتقاد راسخ بأن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين من المرجح أن يتأثر بالقيود والإكراهات الناشئة عن نظرة الرأي العام الأميركي ومواقفه فهما يحاولان استبطان ذلك الموقف وتلك الرؤية نحو الصين وعلاقتها بصناع القرار. ومن الأسئلة التي يحرص الكتاب على مقاربتها: إلى أي مدى مثلا يفهم الأميركيون الصين؟ وهل يهتمون بشأنها ويتابعون تطوراتها؟ أم أنهم لا يبالون بأمرها؟ وهل الأميركيون واعون بصعود الصين، وكيف يتفاعلون مع ذلك؟ وهل يشعرون بثقة مبالغة فيها بأنفسهم تُبعد أي تخوف من منافسة الصين؟ أم أنهم بالعكس مهووسون بالتفكير في قوتها وخائفون منها؟ وعلى الصعيد الاقتصادي تبرز أسئلة أخرى قد تساهم في صوغ السياسة العامة تجاه الصين من قبيل: هل يخاف الأميركيون من نتائج التجارة مع الصين على وظائفهم؟ وهل سيؤدي ذلك إلى بروز دعوات تنادي بقوانين الحمائية التي قد تهدد العلاقات بين الطرفين؟ وهل يصر الرأي العام الأميركي على الدخول في مواجهة مع الصين في قضية تايوان، أو لنشر الديمقراطية؟ وبعبارة أخرى، هل ينظر المواطنون العاديون في الولايات المتحدة إلى الصين على أنها حليف، أم صديق، أم منافس، أم عدو، أم شيء آخر، بكل بساطة؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة المتعددة قام المؤلفان بجمع كمية من البيانات تعود إلى الخمسينيات، كما حللوا مجموعة من استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً حول الصين ونظرة المجتمع الأميركي إلى صعودها، وقد حرص المؤلفان في معرض دراستهما على تتبع المحطات الأساسية في التاريخ الحديث للصين مثل دورها في الحرب الباردة والأحداث المميزة لمسيرتها كحادثة "تيانامين"، والإصلاحات الاقتصادية والانفتاح على الغرب، وفي كل ذلك يسعى المؤلفان للكشف عن العوامل التي أثرت في الرأي العام الأميركي خلال الماضي، وتلك التي تؤثر عليه في الحاضر لمعرفة العوامل المرجح أن تعلب دوراً مؤثراً في صياغة الرأي العام الأميركي حول الصين في المستقبل، ثم التأثيرات المحتملة لهذه الآراء على رسم السياسة الخارجية الأميركية. وفي هذا الإطار يحاول الكتاب التصدي أولا للأفكار والمقولات التي تنفي وجود تأثير ما للرأي العام إجمالا على السياسيين، لاسيما تلك الطروحات التي سادت في فترة تاريخية معينة وتذهب إلى أن السياسيين يقودون ولا ينقادون للرأي العام، فهذه الفكرة يفندها المؤلفان على مدار الكتاب من خلال المعطيات التي تمكنا من جمعها وتشير إلى دور الضغط الذي يمارسه الرأي العام في تبني سياسات بعينها. زهير الكساب -------- الكتاب: العيش مع التنين: كيف ينظر الرأي العام الأميركي لصعود الصين؟ المؤلفان: بنيامين بيج وتاو كزاي الناشر: كولومبيا بريس تاريخ النشر: 2010