برغم انفتاح دولة الإمارات على ثقافات العالم المختلفة، ومشاركاتها الواسعة في العديد من الفاعليات الثقافية الكبرى الخارجية في الآونة الأخيرة، فإنها تحرص على التمسك بخصوصيتها المجتمعية والحضارية، لأن الانفتاح على الثقافات المختلفة، وإن كان مدخلاً مهماً في التعايش مع الآخر من خلال فهمه وبناء قواسم مشتركة معه، لا يمكن أن يكون على حساب الثقافة والموروث الشعبي. حينما تم اختيار الإمارات لتكون ضيف شرف "مهرجان أصيلة" المغربي الشهر الجاري، كان أكثر ما جذب الحضور والمشاركين في المهرجان هو الفاعليات والأنشطة الشعبية التي أقامتها "هيئة أبوظبي للثقافة"، كالخيمة التراثية ومعرض نادي تراث الإمارات والمهن الشعبية المختلفة، التي قدّمت صورة متكاملة عن تراث الإمارات العربية المتحدة وحضارتها. لقد دعا الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، قبل أيام خلال تفقّد سموه "مهرجان ليوا للرطب"، إلى أهمية نقل الموروثات الوطنية وروح التراث الإماراتي الأصيل ونشر ثقافته وسماته المتوارثة من جيل إلى آخر، وتشجيع إحياء العادات والتقاليد الأصيلة باعتبارها أحد أهم روافد الهوية الوطنية، ومكوناً رئيسياً من مكونات الثقافة الإماراتية، وهذه الدعوة تعكس بوضوح الاهتمام الذي توليه الدولة وقيادتنا الرشيدة للحفاظ على التراث وبما يحتويه من مخزون ضخم من القيم الإيجابية والنبيلة التي أرساها الأجداد، وضرورة العمل على نقلها للأبناء، لأن هذا يشكّل أساساً مهماً في الحفاظ على هويتنا الوطنية، حتى تكون أكثر قدرة على مواجهات التحديات التي تهددها في ظل وجود العديد من الجنسيات مختلفة الثقافات والمشارب على أرضنا. إن أهم ما يميز النهضة الثقافية التي تشهدها الإمارات، بالإضافة إلى أنها تمزج بين القيم التراثية للأجداد والآباء مع القيم العصرية نتيجة الانفتاح على الحضارات والثقافات المختلفة، التي تجعل من الإمارات واحة للتعايش والتوافق بين الثقافات كافة، يأتي إليها البشر للعيش على أرضها تحت مظلة واحدة بغض النظر عن انتماءاتهم المختلفة، أنها أصبحت تؤثر في المشهد الثقافي الإقليمي والدولي، عبر المشروعات الثقافية النوعية التي تبنّتها الدولة على مدار السنوات القليلة الماضية، وأصبحت تحظى باهتمام واسع، كـ"جائزة الشيخ زايد للكتاب"، التي تعد بمنزلة "نوبل العربيّة"، فهذه الجائزة تمثل قوة دفعة كبيرة للحركة الثقافية في مختلف أرجاء العالم العربي، كون الغايات النبيلة لهذه الجائزة لا تقتصر على تشجيع المبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والثقافة والفنون، ولكنها تسهم بقوة في تشجيع حركة الثقافة والإبداع من خلال الكتاب تأليفاً ونشراً وترجمة وتوزيعاً، وكذلك "معرض أبوظبي الدّولي للكتاب"، ومسابقة "شاعر المليون" وغيرها من المشروعات التي أصبحت تثير اهتمام المثقفين في كل مكان. بالإضافة إلى ما سبق، فإن النهضة الثقافية أصبحت تسير جنباً إلى جنب مع التطور في المجالات الأخرى، بل إنها أصبحت أحد المداخل المهمة لنجاح بقية خطط التنمية في تحقيق أهدافها المنشودة، ولم يعد الاهتمام بها نوعاً من الرفاهية المجتمعية، وليس أدل على ذلك من أن كثيراً من المشروعات الثقافية الكبرى دخلت بقوة على خط التنافس مع مختلف قطاعات التنمية في الدولة، وأصبح لها مرودها الاقتصادي المهم، سواء بالنسبة إلى طابعها السياحي أو نتيجة لأنها توفر نافذة مهمة يمكن من خلالها الترويج لما تمتلكه الدولة من مقومات وإمكانات ضخمة في مختلف المجالات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية