تلقى الفلسطينيون تأكيدات أميركية بأن تشمل المفاوضات غير المباشرة جميع قضايا الوضع النهائي، بل والأسرى. وفي حين طالبت السلطة الفلسطينية بالبدء بقضية تحديد حدود الدولة الفلسطينية، طلبت إسرائيل البدء بقضايا الأمن والمياه. أما المبعوث الأميركي ميتشل فاختار البدء بالقضيتين معاً. ومنذ اللحظة الأولى، أعلن الرئيس الفلسطيني (وغيره من كبار المسؤولين) رفضاً متكرراً للانتقال إلى "المباشرة" من دون إحراز أي تقدم في موضعي الحدود والأمن. لقد ثبت أن خطوة التجميد المؤقت لـ"الاستيطان"، التي اتخذتها حكومة نتنياهو للبدء بـ"غير المباشرة" إرضاء للإدارة الأميركية، كانت مجرد كذبة. وفي ظل الجدل العام يبقى ما نشاهده على الأرض هو الأهم. فالحكومة الإسرائيلية اختارت الاستمرار في البناء "الاستيطاني"، وتجاهل الفرصة الأميركية المطروحة لعملية التسوية، وهو ما جاء على لسان نتنياهو بقوله "إن هذه المباحثات ستجرى من دون شروط مسبقة"، في إشارة إلى رفضه وقف "الاستيطان" في القدس. وعليه، يصر الإسرائيليون الآن على الانتقال إلى "المباشرة"، على قاعدة ما قاله نتنياهو من أن "السلام مع الفلسطينيين سيكون مستحيلا دون مفاوضات مباشرة"، داعيّاً إلى انتقال سريع من "غير المباشرة" إلى "اتصالات تجرى وجهاً لوجه"، بحجة أنه "لا يمكن تحقيق السلام بجهاز الريموت كونترول عن بعد، وإنه يجب ألا يتوقع أحد أننا سنصل إلى قرارات واتفاقات بشأن أمور حاسمة دون الجلوس معاً في الغرفة نفسها". ويذهب كثير من المحللين إلى الاعتقاد بأن نتنياهو استطاع إقناع أوباما بأن مجرد قبول عباس استئناف "المباشرة" تطور يمكنه من إقناع الأكثرية في حكومته بالموافقة على تمديد فترة تجميد "الاستيطان"! ومن جهتها، ترى مصادر إسرائيلية أن الولايات المتحدة قبلت بهذا الطرح من باب "سياسة التسليف" المنتهجة مؤخراً مع إسرائيل، علماً بأن المصادر ذاتها تؤكد أن نتنياهو غير قادر (وكثيرون يقولون: غير راغب) إزاء تحقيق هذا الأمر اللهم إلا إذا كان "التجميد" شكليّاً كما هو واقع الحال الآن! فأحزاب عديدة، مؤتلفة معه، تهدد بالانسحاب من الحكومة في حالة عدم استئناف "الاستيطان" بدءاً من 28 سبتمبر القادم، مع عدم تجاهل أن هذا كله يحدث في ظل تغييب تام للطرف الفلسطيني الشريك الأصيل في المفاوضات، والذي ربما يراهن نتنياهو على مسألة رضوخه في النهاية على أرضية فرضية "تخويفية" قوامها الزعم بتهديد المعسكر الغربي وقف المساعدات المالية للسلطة بحيث تصبح الأخيرة جاهزة للقبول باستئناف "المباشرة" بدون شروط أو ضمانات. إن السلطة الفلسطينية، التي أكدت أكثر من مرة على أن "غير المباشرة" لم تحقق أي شيء يذكر، تواجه موقفاً لا تحسد عليه يضعها مرة عاشرة بعد المئة أمام خيارين أحلاهما مر: الإذعان والموافقة على استئناف "المباشرة" والتنازل عن شرط بدئها من حيث انتهت في عهد أولمرت، أو الرفض والإصرار على الموقف بعدم استئنافها إلا بعد الوقف الكامل لـ"الاستيطان" في الضفة والقدس، ما سيتيح لإسرائيل -يقول المتخوفون- فرصة الترويج بأنها كانت بصدد تقديم "تنازلات مؤلمة" خلال "المفاوضات المباشرة" لكن السلطة رفضتها! وعلى رغم معاكسة الوضع العالمي الراهن للسلطة الفلسطينية، إلا أن من المطلوب من هذه الأخيرة اجتياز هذا الاختبار بكرامة وعدم الإذعان للضغوط حيث إن مثل هذا الإذعان سيلحق ضرراً بمصداقيتها. فالتمسك بالأهداف السياسية المعلنة يعني الإصرار على تجميد "الاستيطان"، بل وإنهاء الحصار على قطاع غزة فوراً وفتح كافة المعابر التجارية والسماح بتدفق السلع ومواد البناء وفتح الممر الآمن بين القطاع والضفة، والممر المائي بين غزة والعالم الخارجي. ولذا يتوجب على السلطة عدم الذهاب إلى "المباشرة" قبل وقف "الاستيطان" في الضفة، وبالذات في القدس، وتحقيق تقدم ملموس في قضايا الأمن والحدود، على رغم ما يشاع عن نية نتنياهو، تجاوباً مع مطالب أميركية، تقديم حزمة من إجراءات بناء الثقة (لا قيمة حقيقية لها سياسيّاً) تشجع السلطة على خوض "المباشرة"، مثل وقف اقتحامات جيش الاحتلال للمدن في الضفة، وإزالة المزيد من الحواجز، والسماح بفتح مراكز جديدة للشرطة الفلسطينية في المناطق المصنفة "بي"، وإحالة أراض إلى الفلسطينيين من المنطقة "سي" (وغير ذلك مما تتداوله وسائل الإعلام). ولكن، في هذا السياق، ما الذي يتوقعه البعض من السلطة الفلسطينية إذ يطالبونها بالذهاب إلى مفاوضات مباشرة، وقد أضحت 42 في المئة من أراضي الضفة مبتلعة من الغول "الاستيطاني"؟ بل كيف يستقيم شرط "المباشرة" ونتنياهو يتنقل من كذبة إلى أخرى، ويخلق واقعاً من جانب واحد يترك أثره على مصير التسوية ككل. ومن هنا، يجب تجديد الرفض لـ"المباشرة": فإن كانت "غير المباشرة" لم تأتِ بأي فائدة (فضلا عن عبثية التفاوض المستمر منذ أكثر من عشرين عاماً مع تراجع أوضاعنا على الأرض) فما نفع "المباشرة" إذن؟! وختاماً، تبقى بأيدينا بدائل متوفرة، أهمها خيار التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لتحمل مسؤولياتهما إزاء القضية الفلسطينية انطلاقاً من قرارات الهيئة الدولية. فالسياسات والممارسات الإسرائيلية تشكل تهديداً خطيراَ لأمن واستقرار العالم ومصالحه (وبخاصة مصالح الولايات المتحدة فيما أعلن عن ذلك كبار مسؤوليها). وهذا الحال، يوجب على مجلس الأمن تحمل مسؤولياته في إلزام إسرائيل بـ"حل الدولتين" وفقاً للإرادة الأممية، ومرجعية مؤتمر مدريد، ومبادرة السلام العربية. وفي حال فشل هذا الطريق، فالخيار عندئذ هو حل السلطة! ولقد بات موضوع "حل السلطة" مطروحاً مباشرة في تصريحات القادة الفلسطينيين وأبرزها ما جاء على لسان قمة السلطة عباس. وفي هذا السياق، بل في كل سياق، يجدر التنويه بأنه دون خط مواز من النضال الشعبي لا أمل بأي مفاوضات، فالاحتلال الآن "يتنعم" بالوضع القائم (بل يسمونه "الاحتلال المريح"!). فهل بعد كل هذا تغيب عنا حقيقة أن المفاوضات وحدها لن تجعل إسرائيل تنظر بجدية للاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ولن تجعلها تعيد القدس أو تتوقف عن الاستعمار- "الاستيطان" أو تحويل الأرض إلى "جيتوهات" متقطعة الأوصال!