في الوقت الذي لا يزال فيه الاقتصاد الأميركي يواصل تعثره، وتبقى نسبة البطالة عند 9 في المئة، تهبط نسبة تأييد أوباما هبوطاً حادّاً لتصل إلى 50 في المئة فقط، كما تقل كثيراً عن ذلك لدى قطاعات مهمة من الناخبين المستقلين في مختلف الولايات الأميركية. وما لم تحدث تحسينات ذات مصداقية في المؤشرات الاقتصادية المهمة خلال فصل الخريف القادم، فإن الأمر المرجح، كما يقول المراقبون، هو أن يفقد "الديمقراطيون" أغلبيتهم في مجلس النواب، بل إنهم قد يخسرون بعض المقاعد أيضاً في مجلس الشيوخ في انتخابات الكونجرس، ولكن ليس بذلك القدر الذي يفقدهم السيطرة على المجلس لمصلحة "الجمهوريين". وفي العام المقبل سيدخل أوباما العامين الأخيرين في فترة رئاسته الأولى، وسيبدأ بالتالي الاستعداد لتأمين فرص إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية. ويمكن أن يحدث كثير بين اللحظة الراهنة و حلول ذلك الزمن، مما قد يغير حظوظ أوباما إلى النقيض تماماً كما يرى كثيرون. ومما يشار إليه في هذا السياق، على سبيل التذكير، أن شعبية "ريجان" كانت متدنية جداً قبل وصوله إلى انتخابات التجديد النصفي عام 1982، وهي تلك الانتخابات التي فقد فيها "الجمهوريون" مقاعد عديدة، بسبب الركود الاقتصادي الذي كان سائداً في ذلك الوقت. ومع هذا نهض ريجان وحزبه "الجمهوري" من السقطة، واستعادا قوتهما مجدداً، وهو ما مكنه من تحقيق فوز ساحق في الانتخابات التي جرت بعدها بعامين (1984)، وألحق هزيمة مدوية بالمرشح "الديمقراطي" في تلك الانتخابات "والتر مونديل". وحدث الشيء نفسه تقريباً مع" بيل كلينتون" و"الديمقراطيين" عندما فقد حزبه السيطرة على مجلس النواب الذي كان يتمتع فيه بالأغلبية عام 1994، ولكنه حقق مع ذلك انتصاراً كبيراً في الانتخابات الرئاسية التي جرت بعد ذلك بعامين (1996)، وفاز بفترة رئاسية ثانية، وتمكن خلالها من تحقيق إنجازات اقتصادية مهمة لا يزال الأميركيون يتذكرونها حتى الآن. هناك سبب يمكن أن يساعد أوباما على تحقيق شيء مماثل، وتأمين إعادة انتخابه في الانتخابات الرئاسية القادمة بخلاف التعافي الاقتصادي. وهذا الشيء هو على وجه التحديد التشوش العقائدي داخل الحزب "الجمهوري" الذي قد يؤدي به في نهاية المطاف إلى ترشيح شخصية جمهورية -بصرف النظر عمن تكون- تتبنى آراء يمينية متطرفة، تقع حتى على يمين أفكار الحزب "الجمهوري" التقليدية وأفكار أميركا كلها، على المستوى الأكبر. وفي الوقت الراهن، يبدو أن أبرز الأسماء "الجمهورية" المرشحة لخوض انتخابات الرئاسة هي على النحو التالي: "ميت رومني" الحاكم السابق لولاية "ماساشوسيتس" الذي فقد سباق الترشيح كممثل للحزب "الجمهوري" أمام "جون ماكين"، و"سارة بالين" الحاكمة السابقة لولاية "ألاسكا" التي خاضت انتخابات الرئاسة السابقة كنائبة للرئيس، وهي المفضلة في الوقت الراهن لدى الجناح اليميني المتطرف بما فيه حركات "حفلة الشاي" التي تعارض نظام "الحكومة الكبيرة". وهناك إلى جانب هؤلاء "مايك هوكابي" الحاكم السابق لولاية "أركنسو" والمسيحي اليميني المتزمت المعروف بمعارضته الشديدة للإجهاض. ومن ضمن الأسماء التي تذكر في هذا السياق أيضاً "تيم بولانتي" الحاكم السابق لولاية "مينوسوتا" الذي إن كان أقل تطرفاً من سابقيه بشكل عام، إلا أنه من غير المتوقع أن يموضع نفسه في أي مكان قريب من "الوسط القديم" للحزب "الجمهوري". ولكي يفوزوا في الانتخابات التمهيدية، سيضطر هؤلاء المرشحون إلى التقرب من الجناح اليميني المتطرف، وهو ما سيتطلب منهم في المقام الأول تغيير لغة خطابهم، واتخاذ مواقف متشددة ضد الإجهاض وفي موضوع حمل السلاح، وضد أية إصلاحات لقانون الهجرة يترتب عليها تسهيل إجراءات الحصول على المواطنة الكاملة بالنسبة للمهاجرين الذين دخلوا أميركا وأقاموا فيها بشكل شرعي ويطالبون الآن -بتأييد من بعض السياسيين- بحقوق المواطنة الكاملة. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على هؤلاء المرشحين أن يؤيدوا في خطابهم السياسي الميزانيات الدفاعية الكبيرة -مع معارضة المبادرات الدولية الداعية للحد من الأسلحة في الوقت نفسه، بما في ذلك معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية مع روسيا "ستارت"، المقترحة من قبل أوباما والمدعومة من قبل المؤسسة العسكرية الأميركية، ومعظم وزراء الخارجية "الجمهوريين" السابقين -والمصادق عليها من قبل الحكومة الروسية بالطبع. وعلى رغم أن هذه المواقف ستكتسب إعجاباً بالغاً في صفوف اليمين الأميركي، إلا أن الاحتمال المرجح هو أنها ستفشل فشلا ذريعاً، إذا ما حاول "الجمهوريون" المعتدلون تبنيها، كما لن تلقى قبولا من جانب الناخبين المفرطين في توجهاتهم الوسطية. ويجب أن يكون معلوماً في هذا السياق، أن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس تنحو عادة إلى التركيز على القضايا الاقتصادية، وهو ما يعني أنه إذا كان الناس يعانون كثيراً من تلك المشكلات، أو أنها قد أصابتهم بأضرار بالغة، فإنهم سيصوتون غالباً ضد مرشحي الحزب الموجود في الحكم. ويختلف الوضع في الانتخابات العامة: ففي تلك الانتخابات، تكتسب قضايا أخرى بخلاف الاقتصادية أهمية خاصة مثل توجهات السياسة الخارجية، والقضايا الاجتماعية ومنها على سبيل المثال لا الحصر قضايا التنوع والهجرة التي تحظى باهتمام قطاعات عريضة من الناخبين وخصوصاً في الولايات الجنوبية التي يتدفق عليها العدد الأكبر من المهاجرين. وفي مثل هذه الانتخابات، يمكن لأوباما أن يحظى بتأييد كبير وسط قطاعات عديدة من الناخبين تشمل الأميركيين المنحدرين من أصول لاتينية، ومن أصول أفريقية، والنساء، و"الجمهوريين" الوسطيين الذين تهولهم لغة الشتائم والسباب التي يستخدمها في الوقت الراهن الجناح المتطرف في حزبهم. وما يمكن قوله في خاتمة هذا المقال هو أنه ما لم يتمكن "الجمهوريون" من تقديم مرشح وسطي قوي، فإن الاحتمال الأرجح هو أن يتمكن أوباما من الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة، وتأمين قضاء فترة ولاية ثانية بالطبع، ليس بسبب إنجازاته العظيمة خلال فترة رئاسته الأولى، ولكن بسبب السياسات السقيمة، والخطرة في الحقيقة، التي يدافع عنها الحزب "الجمهوري" الذي يزداد تطرفاً ورجعية على الدوام.