في عام 1977 عندما كانت زهاء حديد تلميذة في السنة الخامسة في كلية العمارة AA بلندن كتب أستاذها المهندس العالمي المعروف رِم كولهاس يقيّم عملها "يشبه أداء زهاء في السنتين الرابعة والخامسة الصاروخ الذي يرتفع ببطء مستطلعاً مساره اللاحب المتسارع. الآن هي كوكب في مدارها الخاص الذي لا يضاهى". وبقيت زهاء حتى نهاية القرن الماضي كوكباً معماريّاً مشهوراً، ليس بالمباني التي أشادتها، بل المباني التي لم تشيدها، واليوم تشتهر المدن بمنشآت هذه المعمارة التي تُسمّى "سيدة" Deva العمارة العالمية. كيف حدث ذلك؟ العثور على الجواب عند زهاء نفسها غير ممكن، لأنها لا تستطيع، أو لا تريد التنظير عن إبداعاتها. وغالباً ما تواجه صعوبات عندما تحاول أن تصف تصميماً لها بعبارات تقليدية، فلا تجد ما تقوله سوى "إنها بناية بسيطة لها أربعة جدران وسطح". وتستدرك "حسناً، خمسة سطوح"! والبحث عن جواب مباشر في أعمال زهاء معقد وصعب، لأن تصاميمها تتخطى المألوف بانزياحات تكويناتها وتنافرها، وتشظيات وتفككات مكوناتها، ومنحنياتها، وانسياباتها المدوّخة. ولن تساعدنا العناوين الرئيسة في العمارة العالمية مثل "الحداثة"، التي أعادت زهاء تشكيلها، أو "ما بعد الحداثة" التزويقية التي رفضتها. وكيف نفهم التعريف شبه الرسمي بأعمالها في "متحف التصميم" البريطاني الذي يتحدث عن "تحطيم زهاء كلاً من الكلاسيكية الشكلية لقاعدة الحداثة التي ترتبط بها أعمال أساطين عمارة القرن الماضي، والقواعد القديمة للفضاء، والجدران، والسقوف، والواجهة، والخلفية، والزوايا المنتظمة"؟ أو نقرأ اقتباس قول زهاء نفسها أنها أعادت تجميع ذلك في ما تسميه "نوعاً من حيّز جديد سلس ذي أبعاد متعددة وهندسة متكسرة مصممة لتصوير فوضى الحياة الحديثة"؟ ولن يقربنا من زهاء مفهوما "الحركية" tectonic و"التفكيكية" deconstructivism اللذين طالما يترددان في التعريف بأسلوبها. فهذان المفهومان يجعلان تصاميمها متشظية، عائمة في الفضاء، وغير قابلة للتنفيذ. وتعلق زهاء على ذلك بمرح ساخر معلنة أن البنايات يمكن أن تعوم، ثم تستدرك "أعرف أنها لا تعوم، لكن أكاد أؤمن بذلك حتى ألتقي بمهندسيّ طبعاً"! وبالربط ما بين المعمار والهندسة المعمارية أشادت زهاء في السنوات الأخيرة أبراجاً "متموجة" في دبي، وموسكو، وفيينا، و"برج النيل" بالقاهرة، الذي سيقيم عند تنفيذه 70 طابقاً، تدور على جدران "زعنفية". ويصعب تصديق كيف أنشأ معمار زهاء الذي يبدو وكأنه من "روايات الخيال العلمي" منازل سكنية في موسكو وميامي، ومحطات قطار في نابولي وستراسبورغ، ومتاحف في روما وأوهايو، ومصانع ومطاعم، وفنادق، ودور أوبرا، وملاعب، ومراكز طبية وعلمية، وجسوراً في أبوظبي، والدوحة، وطوكيو، وبراتسلافا، ومونتريال، وتايشونغ! يفسر هذه النجاحات "متحف التصميم" بعنادها و"افتقارها الفريد للمساومة"، و"قوة بأسها التي هي لعنتها وبركتها في آن". ويعتبر المتحف أن قوتها تعمل كقانون الانتقاء الطبيعي الذي يجعل الزبائن الضعاف يوّلون عنها، ولا يقدم على تنفيذها سوى أقوياء الإرادة كمبدعتها. وقد نفهم زهاء بشكل أفضل عندما نكتشف أنها تقف على كتف المعماري البرازيلي أوسكار نيمير، آخر الأحياء من عمالقة المعمار العالمي في القرن العشرين. تقول عنه زهاء "موهبته الفذة تجعله مميزاً ولا يُعلى عليه. فأعماله هي التي ألهمتني، وشجعتني على أن أبدع أسلوبي الخاص، مقتدية ببحثه عن الانسيابية في كل الأشكال". و"نيمير" الذي يواصل وهو في عمر 102 عمله اليومي في مكتبه في ريودي جانيرو حرّر العمارة العالمية قبل نحو سبعين عاماً من كماشة الزاوية المنتظمة، والخط المستقيم، واعتبر مفهوم "وظيفية" العمارة التي تشكل حجر الأساس في عمارة الحداثة "عبثاً مطلقاً". وتؤكد أعمال "نيمير" أن "العمارة يمكن أن تكون عملية وجميلة في الوقت نفسه.. والهدف تحويلها إلى عمل فني صفته الرئيسية أن يبعث العاطفة والدهشة". وقد نطل على روح زهاء عندما نرى أبعد من اعترافها بأنها تأثرت كثيراً بأعمال نيمير، "خصوصاً إحساسه بالمساحة"، ومنحنياته، وخطوطه الانسيابية، وتكويناته التي تتحدّى قوانين الجاذبية، وقبل كل شيء رسومه التي تشكل أساس إبداعه المعماري. فهذا المعماري المعمّر الذي يتلقى دروساً أسبوعية من عالم فيزياء حول الفلسفة والكون يدعو إلى أن يعامل الناس بعضهم بعضاً كأشقاء، دون ترصد الأخطاء. فـ"نحن جميعاً في زورق واحد، وعلينا العيش وأيدينا متضّامة". يقول الزعيم الكوبي كاسترو عنه "أنا ونيمير آخر شيوعيين اثنين في العالم"! ومن أشهر أعمال هذا الشيوعي ما قبل الأخير مسجد في مدينة الجزائر، وكاتدرائية "برازيليا" وهي عاصمة البرازيل التي أنشأها بمفرده تقريباً! وليس مألوفاً القول إن الابنة سرّ أبيها، إلاّ أن طريق زهاء إلى العمارة مرّ بالمحطات الفكرية والعلمية لأبيها، وتبدو باختيارها مهنة الهندسة كأنها تحقق الحلم الذي لم يحققه أبوها محمد حديد، الشخصية الفريدة في عالم السياسة والصناعة والأعمال العربية. درس حديد الذي نشأ في أسرة ثرية بمدينة الموصل في الجامعة الأميركية في بيروت، وتخرج من "كلية الاقتصاد" المشهورة LSE التابعة لجامعة لندن، وانتمى وهو في الجامعة إلى حزب العمال البريطاني، وشارك عند عودته إلى بلده في تأسيس "الحزب الوطني الديمقراطي"، وشغل عضوية البرلمان في العهد الملكي. وصاغت حركة العراق "التكتونية" و"التفكيكية" زهاء في أحرج فترتين من عمر أي فتاة؛ في الثامنة عند اندلاع ثورة "14 تموز" التي مرت ذكراها الثانية والخمسون في الأسبوع الماضي. وفي عمر 13 عاماً عند انقلاب عام 1963. وكان أبوها البطل- الضحية في الحدثين اللذين طوّحا النخبة العراقية الوطنية المثقفة في جحيم التاريخ الحديث، ولم تخرج منه حتى الآن. في عام 1958 تولى أبوها منصب وزير المالية، ولعب دوراً أساسيّاً في وضع أهم القرارات الاقتصادية والصناعية التي قامت من أجلها الثورة، كالانسحاب من "الكتلة الإسترلينية"، و"القانون 80" المشهور الذي أعاد للعراق أكثر من 99 في المئة من أراضيه التي كانت ملك شركات النفط الأجنبية بموجب اتفاقية الامتيازات النفطية منذ عشرينيات القرن الماضي. وفي انقلاب 1963 تعرّض لخطر الموت، وعذاب السجن الانفرادي، ومهانة الانتظار سنين طويلة رفع الحجز عن أمواله. هل يفسر هذا لغز صمت زهاء الذي يقول عنه "متحف التصميم": "الملاحظ رفضها الدبلوماسي غير المألوف التعليق على الوضع في العراق". ويستدرك قائلاً "بدلاً عن ذلك تجعل زهاء فضاءاتها تتحدث بنفسها". ويوضح أن هذا لا يعني مجرد تمارين في الشكل المعماري. "فهوسها بالظلال والغموض متجذر عميقاً في تقاليد العمارة الإسلامية، وانسيابيتها، وطبيعتها المنفتحة ردها البديهي والمشحون سياسيّاً على مناظر المدن الحديثة التي تزداد تحصناً، ولاديمقراطية". هذا هو صوت صمت الصبية المغتربة يسمع ملايين الناس حول العالم ألوانه في عماراتها، ويرون منحنياته الانسيابية بآذانهم، ويشمون بألسنهم ضوع صروحه الإسمنتية، ويتحسسون فضاءاته الطلقة بالكوعين!