ذكرنا في المحاور التي اقترحناها لتكون جدول أعمال مقترح للقمة الثقافية العربية المزمع عقدها، أن أولى المشكلات التي تستحق المناقشة هي مشكلة النظرة المزدوجة. ونعني بها على وجه التحديد كيفية نظر العرب للغربيين بشكل عام، وكيفية نظر الغربيين للعرب والمسلمين. وفي تقديرنا أن لدى كل طرف ونعني العرب والمسلمين من ناحية، والغربيين من ناحية أخرى، صورة مشوهة عن الآخر، تولدت نتيجة عوامل شتى تاريخية ومعاصرة على السواء. ولعل من بين العوامل التاريخية المهمة الاصطدام العنيف بين العالم الإسلامي والعالم الغربي. ويبدو أن الموقع الجغرافي الفريد للشرق العربي حيث تتلاقى طرق المواصلات العالمية بين الشرق والغرب، جعل نشوء علاقات تتفاوت في عمقها -بحسب المراحل التاريخية- بين العرب والعالم الخارجي أمراً حتميّاً. ويمكن القول إن هناك -منذ القرن السابع حتى الآن- أربع لحظات كبرى للمواجهة تمت بين الغرب والعرب. وهذه المواجهات كان فيها كل طرف ينظر إلى الآخر ويصوغ له صورة محددة، وكانت مكونات هذه الصور تختلف من كل مرحلة إلى أخرى بحسب الظرف التاريخي الذي تتم فيه المواجهة، وبعبارة أكثر تحديداً بحسب ما إذا كان كل طرف منتصراً أو مهزوماً، قاهراً أو مقهوراً. وهذه المراحل الأربع يمكن على وجه الإجمال تحديدها فيما يلي: 1 - الغزو العربي الذي تم في القرنين السابع والثامن أساساً، والذي تمثل في عبور الجيوش العربية البحر الأبيض المتوسط، واحتلال الأندلس والنفاذ حتى أعماق فرنسا، إلى أن صُد الغزو، فظل العرب لمدة ستة قرون في الأندلس حيث أغرقت اللغة والحضارة العربية أوروبا. على أن معرفة العرب بالأوروبيين ومعرفة الأوروبيين بالعرب ظلت محدودة، وذلك لأن العلاقات بين العرب وأوروبا كانت متأثرة بعوامل عديدة، تجعل أثرها محدوداً، وكانت هذه العلاقات تتسم بطابع عدائي، فقد نظرت أوروبا إلى العرب باعتبارهم شعباً غازيّاً خرج من الجزيرة العربية مبشراً بدين مغاير لدين أوروبا، وناشراً حضارة جديدة، ومن هنا وقفت من العرب في هذه المرحلة موقف الدفاع عن دينها وحضارتها وجماع كيانها، ولذلك سادت صورة عدائية عن العرب، في العالم الأوروبي. 2 - الحروب الصليبية (من القرن الحادي عشر حتى القرن الثالث عشر). وقد كانت هذه الحروب في الواقع -في جانب منها- ضرباً من ضروب أخذ الثأر لأوروبا من العرب. وخلال هذه الحروب الممتدة، التي خاض المسيحيون والعرب غمارها، كانوا في الوقت نفسه يتعرفون على بعضهم بعضاً على كل المستويات، كما هو الحال بالنسبة للمتحاربين في أي حرب يطول أمدها. وفي هذه المرحلة اتسمت الصورة الأوروبية عن العرب بشيء من الاعتدال -على عكس المرحلة السابقة- فقد تعرف الأوروبيون على الجوانب الإيجابية في الحضارة العربية. ولقد كانت كفة العرب في هذه المرحلة هي الراجحة، "فقد كانوا يملكون من مقومات الحضارة المادية والعقلية ما يستطيعون أن يقدموا منه لأوروبا، بينما لم تكن أوروبا -حتى القرن السادس عشر- تملك من هذه المقومات ما يملكه العرب، لهذا أخذ الأوروبيون من العرب أكثر مما أعطوا". لقد ظلت "الروح الصليبية" -إن صح التعبير- محركاً رئيسيّاً من محركات التاريخ الأوروبي، لم يتوقف أثره إلا عند بداية القرن السابع عشر، وذلك لسببين مهمين: أولهما "أن الحركة البروتستانتية قد مزقت كلمة العالم المسيحي، كما أن التعصب الديني الذي كان موجهاً نحو الإسلام قد وجه ناره آنذاك إلى الحرب الأهلية بأوروبا. وثانيهما معركة "ليبانتو" التي دمر فيها "دون جوان" النمساوي قوة الترك البحرية بالنيابة عن أوروبا المسيحية. وبعد ذلك النصر أخذ خطر الإسلام يتضاءل شيئاً فشيئاً، وإن ظلت الدولة العثمانية قوية عاتية وقادرة في بعض الأحيان على دفع رحى الحرب إلى أبواب فيينا. بيد أن الأمم الأوروبية الغربية لم يعد يداخلها من "التركي" بعد ذلك أي خوف. ويمكن القول إن صورة العرب في ذهن الأوروبيين قد تغيرت عبر هذه القرون الطويلة التي هيمنت عليها "الروح الصليبية". غير أن رجحان الميزان لصالح الأوروبيين في النهاية، لابد أنه قد أثر بالضرورة على تقييم الأوروبيين للعرب. وبعبارة أخرى سادت اتجاهات المنتصر إزاء المهزوم، بما يصاحب ذلك من الحط من شأنه، خصوصاً أن العالم العربي كان قد دخل في مرحلة التخلف الحضاري. (3) ونأتي للمرحلة الثالثة ونعني مرحلة الغزو الاستعماري (الذي بدأ منذ بدايات القرن التاسع عشر وامتد حتى النصف الثاني من القرن العشرين)، الذي سمح للأوروبيين، وبوجه خاص للفرنسيين والإنجليز والإيطاليين باحتلال كل العالم العربي الذي يطل على البحر الأبيض المتوسط، وباستغلاله بصورة استعمارية، مما أدى إلى أن يترك هذا الغزو بصماته على سكان العالم العربي الذين وقعوا تحت سيطرته. وفي هذه المرحلة بالذات تبلورت النزعة العنصرية ضد العرب. ويقول عالم الاجتماع "بيتر ورسلي" بهذا الصدد: "بانتهاء القرن التاسع عشر أصبح نفوذ أوروبا الطبيعي، مبدأ ساريّاً لا مراء فيه. وقد حكم بالانحطاط والضعة على حضارات الشرق المتنوعة التي كانت محترمة يوماً ما". وقد وصلت عجرفة بعض المفكرين الإنجليز مثل "ماكولي" إلى حد أنه ادعى أن "رفا واحداً من مكتبة أوروبية جيدة، يعادل كل التراث الوطني للهند والجزيرة العربية"! وفي هذه المرحلة أصبحت كلمة "بدائي" سمة توصم بها شعوب العالم الملونة دون أي تمييز، وعكست العلوم الاجتماعية في نموها هذا التقسيم للعالم، وأقدم علماء الإنسان (الأنثروبولوجيا) على دراسة العالم غير الأوروبي بمعزل عن التقاليد الشعبية لفلاحي أوروبا نفسها. وفي هذه المرحلة، لم يقنع الغرب بالاستغلال الاقتصادي للعالم العربي، ولكنه ركز أيضاً على ما سماه "ورسلي" استعمار الشخصية، وإن كان هذا النمط بالذات من أنماط الاستعمار عملية معقدة ومطولة، استطاعت الشعوب العربية -على رغم ضراوة محاولات الاستعمار- أن تفلت منها، من خلال نضالها البطولي في سبيل التحرر. ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الغرب -في مرحلة غزوه الاستعماري للعالم العربي- لم يقنع بالترويج لصورة مزيفة عن العرب، تتسم بالإجمال، بل إنه حرص -عن طريق فلاسفته وعلمائه الاجتماعيين- على رسم صورة تفصيلية تركز على قصور العرب وتخلفهم. وفي هذه الصورة سنجد عديداً من الأحكام، من بينها ما قرره "جورج ديهاميل" عضو الأكاديمية الفرنسية في كتابه "حضارة فرنسا": أن "الذهنية الشرقية عاجزة تماماً، عن التفكير التركيبي، وعن تجاوز الذات". ويلتقط باحث آخر هو "جيب" في كتابه "الاتجاهات الحديثة في الإسلام"، هذا الخيط لكي يقرر أن الذهنية الإسلامية تتسم بالذاتية atomism، ويعني بها نزعة الفكر الإسلامي إلى اعتبار المفاهيم وظاهرات الطبيعة وأحداث التاريخ منعزلة متفرقة، ويعني أن الفكر الإسلامي غير قادر على عمليات التركيب. أي أننا نجد هنا ترديداً لأحكام "ديهاميل" ومن قبله "رينان" و"جوبينو"، وغيرهم من أقطاب الفكر العنصري الأوروبي. وفي معرض المناقشة النقدية لهذه الأحكام المتعسفة يقرر المفكر المغربي محمد عزيز الحبابي: "لن يستطيع أحد أن ينكر أن الذهنيات تختلف من شعب لآخر، ولكن لن يقدر أحد أن يثبت أن تلك الاختلافات أصلية، نوعية، سلالية. حقاً إن الذهنيات متغايرة، ولكنه تباين من حيث المستويات لا من حيث الطبيعة". إن اتهام العقل العربي بالقصور، الذي بذرت بذوره في مرحلة الغزو الاستعماري للعالم العربي، والذي كان جزءاً من النظرة العنصرية للعرب، التي تبرر استعمارهم، سنجده من بعد على أيدي ممثلين جدد للفكر الغربي، ومن بعدهم للفكر الإسرائيلي، لكي يبسط نطاقه فيشمل تزييف صورة الشخصية العربية بكل مقوماتها الأساسية، كما فعل الجنرال هاركابي في تحليله لهزيمة يونيو 1967. 4- وتبقى أخيراً مرحلة ما بعد الاستعمار، التي يتقابل فيها الأوروبيون والعرب منذ فترة قصيرة، والتي يظهر فيها كل طرف باعتباره حرّاً، وله حقوق مثل ما للآخر تماماً. ويبدو في هذه المرحلة أن العلاقات السلمية وصورة التبادل بكافة أنواعها وعلى جميع المستويات هي التي تحكم العلاقة بين العرب والأوروبيين. ولكن هذه في الحقيقة ليست سوى الصورة الظاهرة، أما الحقيقة فهي أن الغرب قد استطاع أن يبقي له رأس حربة في المنطقة، ممثلة في إسرائيل. وهكذا يمكن أن نخلص من هذا العرض التاريخي الوجيز، إلى أنه باستثناء الحقبة المعاصرة، وجد العرب والأوروبيون أنفسهم دائماً في علاقة عداوة مباشرة. وعلى ضوء ذلك كله، لا يمكن تقدير العلاقات بين العرب والغرب، وصورة كل منهما لدى الآخر، إلا من خلال هذا الديالكتيك بين القاهر والمقهور، ولكن كيف يمكن في المرحلة الراهنة تفسير العلاقة بين الغرب والعرب؟ يحتاج هذا الموضوع المعقد لمعالجة مستقلة.