هناك امرأة قررت أن تكون منقبة لأن زوجها يريدها أن تغطي وجهها، ولا أحد يراها غيره ليس حباً فيها ولكن لأسباب أخرى. وهناك فتاة منقبة لأن والدها يعتقد أنه يحافظ عليها بذلك من الشباب... وهناك سيدة منقبة لأنها تعودت أن تتنقب، فليس لديها الشجاعة أن ترفع النقاب بعد سنوات من التنقب. هناك من تستحي أن يرى الرجال وجهها، فتغطي وجهها أمام الجميع. هناك من تعتقد أن تغطية الوجه واجب ديني يجب أن تلتزم به وتتشدد وتزيد من عندها فتغطي كفيها بقفازات أيضاً. ووهؤلاء غالباً ما يكونون خارج الدول العربية والإسلامية... ولا شك أن هناك أسبابا أخرى كثيرة منطقية وغير منطقية تجعل بعض السيدات المسلمات يرتدين النقاب. يبدو أن أسباب ومبررات وضع النقاب كثيرة جداً، ولكن في المقابل واضح أيضا أن سبب عدم وضع النقاب واحد فقط، وهو أن ليس هناك أمر ديني يفرض على المرأة المسلمة وضع النقاب. فكل ما طلبه الإسلام أن تغطي المرأة شعر رأسها وجسدها أما وجهها وكفاها فليسا بعورة. لقد وضع مجموعة من علماء الأزهر كتاباً بعنوان "النقاب عادة وليس عبادة"، وقامت بتوزيعه وزارة الأوقاف المصرية... فالنقاب عادة اجتماعية ولا علاقة لها لا بالعبادة ولا بالدين. وقد أكد نفس الرأي فقهاء كثيرون من أهمهم الإمام محمد عبده (1849ــ1905).والشيخ محمد الغزالي (1917-1996). وعندما نرى أن أمثال هؤلاء العلماء الكبار يقولون رأيهم في النقاب، وفي المقابل نرى من يرفض هذا الرأي ممن ليس لديهم علم في الدين ولا في الفقه، فهل هذا يعني أن من يرون النقاب واجباً دينياً يعتقدون أنهم يفهمون الدين أكثر من أولئك العلماء وأكثر من الأزهر؟! كل من يدافعون عن النقاب من الناحية الدينية لا يقدمون براهين وأدلة إسلامية قوية تدعم موقفهم بأن النقاب واجب ديني في الإسلام! فالاعتقاد الشخصي أن النقاب واجب ديني شيء، ووجود نص شرعي واضح وصريح شيء آخر... لذا موقف القائلين بأن النقاب واجب ديني موقف ضعيف جداً وحجتهم غير مقنعة، لذا فإننا لاحظنا أن الانتقاد أو الاعتراض على القرار الفرنسي بحظر النقاب في الأماكن العامة لم يصدر من العلماء المسلمين لا داخل فرنسا ولا خارجها... ولا من منظمة المؤتمر الإسلامي، ولا من الأزهر، ولا من أية جهة دينية معتمدة، وكل من انتقدها أشخاص من هنا وهناك، وبعض العلماء الذين أبدوا رأيهم الشخصي في الموضوع. وكذلك فيما حدث منذ أيام من منع المنقبات من الدراسة في الجامعات السورية. من الواضح أن القلق من لبس النقاب بالنسبة للنساء يزداد يوماً بعد يوم، ليس في المجتمعات الغربية، بل حتى في المجتمعات والدول العربية والإسلامية. فهل يزداد القلق عند المنقبات من هذا الأمر؟ وهل يشعرن بالقلق الذي يشعر به الآخرون ويتفهمون هذا القلق أم أنهن يعتقدن أن من يرفض النقاب هو عدو الدين، وأنهن سيبقين على مبدئهن ونقابهن مهما كان الأمر ومهما قال العلماء؟ البعض يخدع نفسه، ويريد أن يخدع الآخرين باعتقاده أن حبس المرأة خلف النقاب يمنع الرذيلة في المجتمع وينشر العفة والتقوى والورع. والحقيقة والواقع يؤكدان أن لا علاقة بين الأمرين... فهناك أمور تحدث من وراء النقاب لا علاقة لها بالعفة... لذا فإن من يريد أن يمنع الرذيلة عليه أن يبدأ بذلك من عقل المرأة، وقبل ذلك من عقل الرجل ثم يفكر في الملابس. على الرغم من أن أغلب المنقبات سيدات محترمات وفاضلات، فإن كثيراً من الناس يعتبرون النقاب رمزاً للتشدد الديني والتشدد الأخلاقي والتشدد في العادات والتقاليد... ورغم الانتشار السريع للنقاب، وتزايد عدد المنقبات إلا أنه يبقى دخيلاً على مجتمعاتنا، فلا هو من عادات وتقاليد المجتمع، ولا هو من تعاليم الدين، ولا هو رمز للعفة والسمو الأخلاق، وإنما هو مجرد "عادة" يتمسك بها البعض ويلصقها غصباً بالدين! وعندما نبحث في تاريخ النقاب، ومتى ظهر لأول مرة نكتشف أن هذا التاريخ يعود إلى عهد الآشوريين، الذين كانت نساؤهم أول من ارتدين النقاب، وهذا يعني أن النقاب دخيل على الإسلام، وليس من أصوله، وأّنه من العادات التي انتشرت في المنطقة العربية وشبه الجزيرة العربية، ولا علاقة لها بالإسلام. أخيراً تبقى نقطة أخرى في مسألة النقاب، ويتحدث عنها مؤيدو النقاب من زاوية أخرى، وهي أن وضع النقاب وتغطية الوجه بالكامل يعتبر حرية شخصية ومن حقوق الإنسان في اختيار ملابسه؟! فهل هي فعلا حرية شخصية؟ الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى مقالة أخرى... لكن هناك سؤالاً آخر أهم يجب أن نبحث الإجابة عليه، وهو إذا كانت المرأة جزءا رئيسياً من المجتمع، والبعض يقول إنها نصف المجتمع، ولكنها في الحقيقة كل المجتمع. فكيف نقبل بأن يكون المجتمع مغطى بنقاب لا يراه أحد؟