منذ لحظة إبحارها من اليونان، كان معروفاً أن لا أمل لـ"سفينة الأمل" بالرسو في مرفأ غزة، وأن الجهة التي حملت المساعدات على متنها لم تخطط ولم ترغب في تحدي الإسرائيليين والمواجهة معهم، بل إن السفينة وجّهت عمليّاً إلى ميناء العريش في مصر لتفرغ حمولتها فتُنقل بعدئذ برّاً إلى غزة. وهذا خط مباح في صدد أن يصبح روتينيّاً واعتياديّاً. لم تصنع السفينة حدثاً، إذاً، لكن أحد المشرفين على الرحلة أعلن أنها تمكنت من "تسجيل نقاط" خدمة للفلسطينيين ولقطاع غزة. عدا أن أحداً لم يفهم ما هي هذه النقاط، ولا كيف سجلت، ولمصلحة مَنْ؟ وعدا أن إرسال مساعدات يبقى مسعى خيّراً ومشكوراً طالما أن معاناة الغزيين مستمرة، إلا أن "سفينة الأمل" قد تكون رمت إلى إعطاء نموذج لقوافل مساعدات "مهذبة"، مقبولة ومرغوب فيها طالما أنها لا تـُحرج أحداً. وعلى رغم أن منطلقها المبدئي هو رفض الحصار والتشهير به والمطالبة برفعه، إلا أن مسار السفينة وأسلوبها وحصيلتها لم تتسبب بأي إزعاج للأمر الواقع الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي بالقوة. وفي مثل هذه الحال، أي إذا كان الهدف إيصال المساعدات فحسب، تنتفي الحاجة إلى تظاهرات إعلامية أو حتى إلى سفينة من أجل عملية مؤداها المحدد لها إغاثي وإنساني لا أكثر ولا أقل. كانت قرارات مجلس الأمن، وقرارات القمة العربية، وحتى الاتحاد الأوروبي، باستثناء "الرباعية" الدولية، اعتبرت هذا الحصار غير شرعي، وليس له ما يبرره سوى المنطق الفاشي للاحتلال. ولذلك تشددت قوافل النشطاء الأجانب في وجوب إسماع الصوت بأن ثمة انتهاكاً للقوانين الدولية وللأعراف الإنسانية والأخلاقية. ففي معظم الأحوال، كان من الممكن إيصال المساعدات، لكن الغزيين المحاصرين كانوا ولا يزالون بحاجة ماسة إلى طرح قضية الحصار باعتبارها من قضايا حقوق الإنسان. هذا لا يعني أنه كان مطلوباً من المشاركين في رحلة "سفينة الأمل" أن يسعوا إلى مواجهة دامية مع عسكر إسرائيلي دائم التعطش لإراقة الدم. ولا كان مطلوباً افتعال مشاكل على نحو ما جرى أوائل السنة بين النشطاء والأمن المصري. ولكن، للأسف، إذا لم تكن لقوافل المساعدات رسالة سياسية في غياب أي تفعيل للقوانين الدولية عبر المؤسسات ذات الصفة والصلاحية، فإنها ستتحول مجرد زيارات لإطعام السجناء، والأسئلة كثيرة على المساعدات التي دخلت بصمت. لكن المطلوب، إنسانيّاً وضميريّاً، هو كسر الحصار، أي كسر إرادة التجبّر والعَنت التي يصر عليها الاحتلال الإسرائيلي، لا برهاناً على تفوقه وإنما إمعاناً في استبعاد أي مظلة أو مرجعية قانونية عن مجمل القضية الفلسطينية، بل إمعاناً في حفر هوّات الانقسام والتقسيم بين أبناء الشعب الفلسطيني ومناطقه. فهذه هي الغاية الإسرائيلية من الحصار. فحتى استعادة الجندي الأسير لدى حركة "حماس" لم تعد من الأولويات لدى حكومة الائتلاف المتطرف. والمطلوب خصوصاً من الإلحاح والضغط لفك الحصار إنهاء الغموض الذي اصطنعه الإسرائيليون حول الوضع القانوني لقطاع غزة ولا ينفكون يوظفونه في تغطية جرائمهم في حق أهله. إذ أن الانقسام أتاح لدولة الاحتلال اعتبار القطاع منفصلاً عن السلطة الفلسطينية، ومنفصلاً عنها كونه لم يعد محتلاً واقعيّاً، لتصوِّره ككيان منفلت دوليّاً لا يتمتع أهله بأي حماية معنوية، ولذا فإن محاصرته لا تنطوي على أي إشكال. والمؤسف أن هناك تعايشاً، إن لم يكن قبولاً عربيّاً لهذا المنطق السقيم، وإلا لوجب أن يكون كسر الحصار مهمة عربية قبل أن تكون تركية أو أي شيء آخر. ومن هنا فإن المتوقع عربيّاً أكثر من مجرد "تسجيل نقاط"، فمبدئية كسر الحصار تتجاوز الاعتبارات السياسية التي تبرر عزل "حماس" أو سواها.