منذ بداية الدعوة لعقد قمة ثقافية عربية تأسس كيان تحضيري لهذه القمة يجمع بين الأمانة العامة للجامعة العربية و"المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم" باعتبارها الذراع الثقافي للجامعة و"مؤسسة الفكر العربي" ممثلة للمجتمع المدني العربي على ضوء حماسها اللافت للفكرة، وفي أعقاب موافقة قمة سرت في مارس الماضي على انعقاد القمة الثقافية العربية من حيث المبدأ بدأ جهد دؤوب من قبل هذا الكيان الثلاثي، وتم الاتفاق على عقد ثلاثة لقاءات تحضيرية يعقد أحدها في القاهرة (دولة مقر الجامعة) والثاني في تونس (حيث مقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) والثالث في بيروت (التي تحتضن مؤسسة الفكر العربي)، وكانت البداية باللقاء التحضيري الأول الذي عقد يومي 13 و14 من هذا الشهر باستضافة من "مؤسسة الفكر العربي" التي دعت عدداً يربو على المئة من أبرز مثقفي الوطن العربي كي يتباحثوا في الموضوعات التي ستطرح على القمة، وكان واضحاً منذ البداية أن نهج اللقاء ينحاز إلى وجهة النظر التي ترى اقتصار القمة على قضايا القواسم المشتركة، وهكذا تمت هيكلة عمل اللقاء في سبع لجان لإنقاذ اللغة العربية، وحماية التراث، والإبداع وحماية الملكية الفكرية، ورعاية ثقافة الطفل والشباب، وتحالف القيم وحوار الثقافات (تم العدول لاحقاً عن هذا المصطلح الغريب الخاص بتحالف القيم)، والمحتوى الرقمي العربي على شبكة الإنترنت والسوق الثقافية العربية المشتركة، والترجمة. وقامت المؤسسة بإعداد ملف وثائقي ممتاز عن كل ما يتعلق بفكرة القمة الثقافية العربية. لفت النظر في بنية المدعوين لحضور هذا اللقاء التحضيري أنهم لا يعبرون عن "لون ثقافي واحد"، وهو ما يحسب للمؤسسة وشركائها من منظمي اللقاء، ومن الواضح أن التعبير الأمين عن الواقع الثقافي العربي كان يمثل هاجساً حقيقيّاً لدى منظمي اللقاء، وهو ما عبر عنه الدكتور سليمان عبدالمنعم أمين عام المؤسسة أكثر من مرة باستخدامه مصطلح "إبراء الذمة"، وكأنه كان يستشعر تخوف البعض من ألا يدعى إلى اللقاء إلا أصحاب وجهة نظر معينة على النحو الذي يؤثر على صدقيته. غير أن الموضوع كان له جانب "فني"، ذلك أنني لا أخفي أنني كنت متخوفاً للغاية من فشل اللقاء، أو على الأقل إتمامه على نحو سطحي بسبب العدد الكبير نسبيّاً للمدعوين، وسمة التنوع في الرأي التي ميزتهم -وهي سمة إيجابية بطبيعة الحال- وكثرة الموضوعات المطروحة على جدول الأعمال وتشعبها، مما ينبئ بمناقشات عميقة وممتدة يثور شك حقيقي فيما إذا كان بحثها على مدار يوم واحد يكفي أم أنه يعبر عن خلل فادح في اللقاء. غير أن المنظمين عمدوا إلى آليتين تكفلتا بالقضاء على تخوفي: أولاهما تقسيم المشاركين إلى لجان يمكن القول إن متوسط الحاضرين فيها بلغ خمسة عشر مشاركاً تقريباً، والثانية العمل المكثف في اليوم المخصص للقاء بحيث تعقد كل لجنة أربع جلسات بلغ إجمالي ساعات العمل فيها ثماني ساعات، وطولبت هذه اللجان بأن تقدم في نهاية عملها قائمة بما تراه من توصيات يمثل مجموعها الوثيقة الختامية للمؤتمر. والواقع أن المرء على هذا النحو لم يشعر بأي ضغط في الوقت، فقد تكفلت الجلسات الأربع والعدد المعقول من المشاركين في كل لجنة بأن تتيح لكل مشارك أن يعبر عن رأيه في مدى زمني كافٍ، وكذلك بأن تسمح بنوع من النقاش التفاعلي ساعد على الخروج بتوصيات واضحة ومحددة. وفي الجلسة الختامية للمؤتمر عرض أمين عام المؤسسة توصيات اللجان كافة دون نقصان مما أضفى صدقية أكبر على عمل اللقاء. ويبقى السؤال مطروحاً: إذا كان اللقاء الأول قد خرج بتوصيات واضحة فما هي مهمة اللقاءين الثاني والثالث؟ الواقع أن هذين اللقاءين لا يقلان أهمية عن لقاء بيروت، وتقديري أن توصيات بيروت تحتاج متابعة أكيدة، لأنها لو عرضت على القمة على هذا النحو من العمومية لتبنتها القمة كما هي، ولانتهى الأمر عند هذا الحد بحيث تؤول قرارات القمة الثقافية إلى ما آلت إليه قرارات القمم السياسية قبلها، أما لو دعمت بما يُشبه "دراسات الجدوى" التفصيلية فإن ثمة أملاً في أن تكون البداية مختلفة. وعلى سبيل المثال، ومن واقع مشاركتي في لجنة السوق الثقافية العربية المشتركة، فإن هذه اللجنة قد طالبت في أولى توصياتها بمراجعة كافة الوثائق المتعلقة بالعمل الثقافي العربي المشترك وبلورة وثيقة جامعة تكون ميثاقاً لهذا العمل في مرحلة ما بعد القمة، ولو اهتم اللقاءان الثاني والثالث بإنجاز هذه المهمة فإن الميثاق المقترح سيعرض على القمة لإقراره ليمثل في هذه الحالة نقلة نوعية إلى الأمام. وكذلك دار جدل واسع داخل اللجنة حول جدوى مشروع "صناعة عربية للورق" يمثل النجاح فيها بعداً من أبعاد الأمن الثقافي العربي وخطوة مهمة على طريق التكامل الاقتصادي العربي، وقد حدث خلاف في الرأي بين من يرى ألا جدوى من إقامة مثل هذه الصناعة لغياب مقوماتها أصلاً وبين من يرى خلاف ذلك، ومن الواضح أن د. علي عقلة عرسان مقرر اللجنة يولي هذا الموضوع اهتمامه لأنه كان جاهزاً للرد على كل الحجج المضادة لإقامة صناعة عربية للورق، ولكن من غير المتصور أن تعرض على القمة الثقافية توصية عامة في هذا الصدد، وإنما الواجب أن تقدم لها دراسة جدوى اقتصادية تفصيلية، بحيث تكون موافقة القمة عليها إشارة البدء للانطلاق في هذا العمل المهم. ومن ناحية ثالثة كان ثمة إجماع على ضرورة إزالة الحواجز أمام انتقال الكتاب العربي داخل الوطن العربي، لكن الدراسة واجبة لمدى إمكانية تضرر بعض الصناعات الوطنية من هذا الإجراء، بحيث يصبح السعي لتحييد المعارضات القُطرية إن وجدت ضروريّاً، وذلك بوسائل معروفة في الخبرات المعاصرة لتجارب الاندماج الاقتصادي. وأخيراً وليس آخراً كنت قد اقترحت إقامة "بنك للاستثمار الثقافي"، وذلك في مواجهة التحفظات التي أبداها د. وحيد عبدالمجيد على فكرة "إنشاء صندوق لتمويل الثقافة العربية"، باعتبار أن مثل هذه الصناديق مثلت عادة بداية الطريق للفساد، وأضفت إلى ما قاله مشكلة شح التمويل التي تنتج عن التناقض بين الحماس لإنشاء الصناديق والتكاسل في دفع أنصبة الدول فيها. وكان رأيي أن يكون هذا البنك على غرار البنوك النوعية الأخرى كبنوك الإسكان والبنوك العقارية، وبنوك التنمية الصناعية والتسليف الزراعي، والفرق بينه وبين فكرة الصندوق أن الأول سيعمل على أساس اقتصادي، أي أنه لن يقدم منحاً تفتح المجال للشبهات وإنما قروضاً لتمويل أعمال كبرى مضمونة الربح، لكن تمويلها ضخم لا يقدر عليه منتجوها وحدهم، ولا يمكن بطبيعة الحال لفكرة كهذه أن تعرض في عموميات على القمة الثقافية، ولكنها يجب أن تكون معززة بدراسة جدوى تفصيلية. ولو تم كل ما سبق لواصلنا مسيرتنا على طريق الإعداد الجيد الذي تحدث الأستاذ محمد العزيز بن عاشور مدير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عن كونه أهم من انعقاد القمة ذاتها، بمعنى أنه ليس من المهم أن تنعقد القمة وإنما الأجدى أن تنعقد بعد أن يعد لها إعداداً جيداً، وبهذا وحده نضمن ألا تكون قراراتها مجرد قصاصات ورق مآلها أرشيف الأمانة العامة للجامعة العربية بعيداً عن أن تمثل نقطة انطلاق لتغيير الواقع الثقافي العربي إلى الأفضل.