اختارت مدينة أصيلة المغربية الجميلة موضوعاً لإحدى ندوات مهرجانها الصيفي السنوي "حوار الثقافات العربية". وقد بدا الموضوع للكثيرين استفزازياً، مربكاً. فقد تعودنا طيلة السنوات المنصرمة على ندوات حوار الثقافة العربية مع الثقافات الأخرى، في ما يشبه موضة تواطأ الجميع عليها، على الرغم من محدودية الأثر والتباس التصور غالباً. بيد أنه كما قال صديقنا الوزير النابه "محمد بن عيسى" أمين عام "مؤسسة أصيلة"، فإن من باب المفارقة أن نتطلع دوماً للحوار مع الآخرين، دون أن نتجرأ على الحوار في ما بيننا. وقد عنى الرجل بلغته الدبلوماسية اللبقة أن الشرط الأول للحوار الندي الجاد مع ممثلي الثقافات الأخرى هو بناء موقف موحد والاستناد لرؤية مشتركة أدنى. والحال أن العرب هم في يومهم هذا أبعد ما يكونون عن ما ذكرنا من شرط ائتلاف وضابط توافق. وقد بدا لي من الجلي أن ثمة أربعة رهانات للحوار الثقافي العربي الداخلي، تكاد تكون من باب المحظورات في القول، أو من باب "المسكوت عنه" كما كان يقول الراحل الكبير محمد عابد الجابري. أما الرهان الأول فيتعلق بطبيعة الثقافة العربية: هل هي واحدة أم متعددة؟ فكثيراً ما نكرر أن العرب، وإنْ اختلفوا أشد الاختلاف في شؤون السياسة، وتناقضت مصالحهم ومواقعهم وتحالفاتهم على الساحة الدولية، فإنهم موحدون ثقافياً. وفي هذا القول حق لا ننكره، بيد أنه يحتاج لبعض التمحيص. فغني عن البيان أن روافد الثقافة العربية متعددة متنوعة، بتعدد وتنوع تركيبة المجتمع العربي، الذي يضم العديد من الأقوام والملل والطوائف. أضف إلى ذلك أن الدولة الوطنية أصبح لها بعد عقود طويلة من الوجود إرث وتركة، يتجليان في النسيج الثقافي، وتعضد صياغته الاختيارات الثقافية والتربوية والإيديولوجية، والرصيد المتبقي عن القوى الاستعمارية السابقة، التي تتمايز في لغاتها وخياراتها الثقافية. فلا أحد ينكر أن للثقافة الشيعية في السياق العربي خصوصياتها فكراً ومؤسسياً، وكذا الحال لما يسميه علماء الأنثربولوجيا "الثقافات الجزئية"، التي تعكس الهويات الطبقية والفئوية في كل مجتمع بما فيها أكثر المجتمعات انسجاماً وتماسكاً. ذكرت خلال الندوة نموذجاً لهذه التعددية، التي تسم الثقافة العربية ما تتمايز به المدرسة المغربية في الدراسات الإنسانية عن المدرسة الشرقية، بما يعكس تباين المدرستين الفرنسية والأنجلوساكسونية اللتين كانتا النموذجين اللذين جرى استنباتهما في التجارب التربوية العربية. أما الرهان الثاني، فيتعلق بثنائية المركز والأطراف، التي كانت تؤطر النظرة السائدة للثقافة العربية. وقد كان يردد في الستينيات القول بأن مصر تكتب ولبنان يطبع والعراق يقرأ، بما يعني أن بقية أقاليم العالم العربي صحراء جرداء لا ثقافة فيها ولا فكر. ولهذا الحكم المسبق خلفيات معروفة، بيد أنها تعكس إجمالاً النظرة المركزية الضيقة التي طبعت الأيديولوجيا القومية في العقود الماضية. ولهذه النظرة صيغة "عالمة" تتجلى في المقاربات الاستراتيجية حول الدول القاعدية في النظام العربي التي تقدم باعتبارها قاطرة الاندماج القومي، في مقابل الأطراف "الهامشية" التابعة. وغني عن البيان أن هذا التصور لم يعد له مسوغ قول ولا أثر من حجة. فلا أحد ينكر أن محور الممارسة الفكرية العربية، قد انتقل منذ عقدين على الأقل إلى المغرب العربي، الذي تميز بكتابه الذين بروزا في حقول الفلسفة والإنسانيات واللغويات والنقد الأدبي. وتشهد دلائل الانتشار والرواج، أن مفكري المغرب العربي هم اليوم الأكثر تأثيراً في الساحة الثقافية العربية. كما أن منطقة الخليج العربي التي ينظر إليها أحياناً غلطاً وتحاملاً بأنها مجرد "بئر نفطية"، تحولت إلى قاعدة الصناعات المعرفية والثقافية والإعلامية عربياً. فأبرز دوائر الإنتاج الثقافي خليجية، وكذا الجوائز العلمية ومشاريع الترجمة وتحقيق التراث ونشره بالوسائل التقنية الأكثر تطوراً. ولهذه المنطقة أيضاً أدباؤها وكتابها الذين يعكسون خصوصياتها المجتمعية. أما الرهان الثالث، فيتعلق بموضوعات وأجندة الحوار الثقافي العربي الداخلي. وفي هذا الباب، تتعين الإشارة إلى سياقين مختلفين. أما السياق الأول، فهو الحوار بين الثقافات الوطنية، التي هي المظهر المجلي للهويات الخصوصية والمرآة العاكسة للمناحي السياسية والاجتماعية المعقدة في العلاقات العربية البينية. وأما السياق الثاني، فهو الحوار المطلوب بين الاتجاهات الثقافية العربية التي تخترق التقسيمات الوطنية، وتنتظم بحسب التلوينات الأيديولوجية والخلفيات الفكرية. إن لهذا الحوار أبعاده وأهميته القصوى سواء تعلق الأمر بمقتضيات التعايش الداخلي التي هي مقوم الممارسة الديمقراطية التعددية أو بمتطلبات الحوار مع الآخر، الذي فشلنا فيه لغياب موقف موحد ورؤية جماعية دنيا للتخاطب مع المغاير المختلف. أما الرهان الرابع، فيتعلق بآليات الحوار وسياساته وأجندته. وما نراه هنا هو أن دوائر مثل هذا الحوار تكاد تكون منعدمة، وآلياته ملتبسة غامضة. والعقبة الكؤود هي إنكار سمة التعدد والاختلاف في الثقافة العربية، والتغني بمعزوفة الوطن الواحد والنظر للثقافة بصفتها الحصن الحامي للوحدة في عهد التفكك والانهيار. سمعت أحد المشاركين في الندوة يقول محتجاً على موضوعها إن الحديث عن تعدد الهويات واختلاف الثقافات من مخططات أعداء الأمة الذين يريدون تفكيكها وتقسيمها، منذراً بسايكس بيكو جديدة بدأت تطل إرهاصاتها المخيفة. ورغم أن هذا الصوت كان نشازاً في الندوة، التي اتسمت بالعمق والحيوية السجالية والنزعة النقدية الجريئة والمسؤولة، فإنه يعبر عن مأزق جانب من النخبة القومية العربية التي تتصور مفهوم الهوية بحسب المقاربة التجانسية الأحادية. فالاختلاف بالنسبة لها حالة منكرة أو مدانة وعورة لا بد من إخفائها، على الرغم أن واقع الحال يبين لنا أن الكيانات الوطنية في الكثير من الساحات العربية غدت مهددة بالتآكل والتفكك، بفعل العجز عن إدارة التنوع الطائفي والعرقي والقبلي. لقد غاب عن هؤلاء أن الوحدة حقائق موضوعية تصنع على الأرض، كما أنها أفق للفعل ومشروع للإنجاز.