حين نصغي لدرس التاريخ، فإنه يحدثنا بأن الحركات الثورية والعنفية تنطلق أول ما تنطلق من أيديولوجيتين: يقينية بصوابية رؤيتها وتمثيلها للحق المطلق، والثانية: يقينية بخطأ المخالفين - كلّ المخالفين- وتمثيلهم للباطل المحض.?بمثل هذه الرؤية الصارمة تستطيع هذه الحركات جمع الأتباع وإلقاءهم في مهاوي الردى خدمةً للحركة وأهدافها وعقيدتها، وإذا أخذنا حركة الإخوان المسلمين كمثالٍ، فسنستحضر النشيد الإخواني المعروف: سأحمل روحي على راحتي/ وألقي بها في مهاوي الردى. هذا على مستوى الأيديولوجيا، أما على مستوى التصوّر فإنّ هذه الحركات تطرح تنظيرات خطيرة في تصوّرها للمجتمع والنظام القائمين، أي الدولة برمّتها، وتطلق هذه التنظيرات أحكاماً على المجتمع والدولة تتلخص في أنهم محض مجرمين، يجب التحرّك ضدّهم وتغييرهم بشتى السبل والوسائل، وفي التاريخ شاهد وفي الواقع المعاصر دليل. في التاريخ الإسلامي حدث هذا مع ثورات الفقهاء والقرّاء، كما جرى مع ثورات الخوارج والحشّاشين وغيرهم كثير، ودولة بني العبّاس نفسها كانت بدايتها بمثل هذه الطريقة، ودولة الفاطميين بمصر سلكت ذات السبيل، واتبعت عين النهج وإنْ اختلفت الأيديولوجيا. بعيداً عن الأيديولوجيا الإسلامية والتصوّر الإسلامي الحركي، فإن التاريخ الإسلامي القديم، وتاريخ البشرية الحديث يحدثاننا عن الثورات الكبرى وأنّها سارت على الطريق المرسوم والمنهج المتّبع، فالثورة البلشفية في روسيا قامت ضد القياصرة باعتبارهم يمثلون الباطل المحض والضلال المطلق، والثورة النازية قامت ضدّ ما تعتقده يقيناً ظلماً واضطهاداً محضاً لألمانيا، والثورة الفرنسية -من قبل- ثارت ضدّ تحالف الكنيسة والملك على ظلم الشعب واضطهاده، والثورة الصينية فعلت الشيء نفسه، وهكذا دواليك. لا يهمّ كثيراً طبيعة التهم التي تساق في كل ثورة لتجريم ماهو قائم اجتماعياً وسياسياً وثقافياً واقتصاديا وغيره، والسعي لتشويهه والتنفير منه والتحريض للثورة عليه، فمرةً تكون الأيديولوجيا المحضة، ومرة التصوّر، ومرةً السياسة وأخرى الاقتصاد أو الفساد أو الظلم، وبعد هذا تشحن الثورة أتباعها بأنّها المخلّص الوحيد وسبيل النجاة الأمثل، عبر تبنّي مفاهيم واسعة يختلف توظيفها ودرجتها في سلّم الأولويات الثورية بحسب كل ثورةٍ وطبيعتها، وكذلك الظروف المحيطة بها مع طبيعة من ثارت عليه. عموماً، تسعى الثورة لضخّ مفاهيمها الجديدة وشعاراتها البرّاقة، فالإصلاح مقابل الفساد، والعدل مقابل الجريمة والظلم، والرفاه الاقتصادي مقابل التخبط والأثرة، والعزة والكرامة مقابل الذلة والهوان، وهكذا تتكرر المفاهيم والشعارات حسب كل ثورة، ويتمّ نشرها بحماسةٍ زائدةٍ وغضبٍ عارمٍ لا يسمح بأي مساحة لمحاكمة هذه المفاهيم الجديدة الملتبسة، والشعارات الرنّانة. تعتني الثورات – أياً كانت- بالإطار الحاضن الذي تستطيع أن تتحرك فيه وأن تنجح باستخدامه، كإحياء القومية عرقياً، أو إلغاء الطبقية اقتصادياً، أو القضاء على الظلم الديني والسياسي ونحو ذلك. في العالم العربي قامت الثورات على نفس الإطارات العامة تلك، ففي مصر كانت القومية شعار الثورة على الملكية، وفي الجزائر كانت القومية والدين شعاري الثورة ضد الاستعمار، وفي سوريا وفي العراق كان حزب "البعث" يعمل ضد الإثنين معاً الملكية والاستعمار، وفي اليمن الجنوبي كانت محاربة الطبقية اقتصادياً هي الشعار، وفي ثورة ليبيا كانت القومية حاضرة بقوةٍ. انصب جهد الثورات العربية الحديثة على الأنظمة لا على الشعوب، وإن دفعت الشعوب ضريبتها لاحقاً بشكلٍ أو بآخر، وكانت هذه الثورات جميعاً لا تحمل طابعاً دينياً واضحاً أو شعاراً إسلامياً صريحاً، بل تراوحت بين القومية والطبقية ومحاربة الاستعمار. أمّا الحركات الإسلامية والثورات التي سعت لها، نجحت في بعضها وأخفقت في أكثرها، فهي ثورات ذات طابعٍ ديني وشعاراتٍ إسلاميةٍ محضةٍ، وأمثلة هذا، ما جرى في إيران والسودان وأفغانستان طالبان، ولهم جميعاً سابقة مهمة هي محاولة جماعة "الإخوان المسلمين" إقامة ثورةٍ في اليمن ضدّ النظام الإمامي هناك، وذلك في نهاية الأربعينيات الميلادية، وباءت تلك المحاولة التي خطط لها البنّا ونفّذها عبدالحكيم عابدين والجزائري الفضيل الورتلاني بالفشل. غير أنّ الحركات الإسلامية بعد فشلها في الثورات الشاملة، وصلت إلى طريقة جديدة، تكمن في السعي لتجريم المجتمعات والأفراد دينياً، وجعلهم يحسّون دائماً بالتقصير والضعف أمام ممثلي هذه الحركات، وقد تمّت هذه العملية على فترات طويلة وخططٍ مدروسةٍ آتى بعضها الثمار التي رجتها الحركات الإسلامية اجتماعياً وإن لم تثمر سياسياً. نتيجة هذا التجريم هو جعل الأفراد والمجتمعات يشعرون دائماً بأنّ ممثلي هذه الجماعات هم الصالحون الكاملون وأنهم بالتالي هم المقصرون الناقصون، ما يسهّل على هذه الجماعات العبث بتوجهات المجتمع وإخضاعه ساعة يشاؤون. تبدأ هذه الجماعات ممارسة التجريم باستخدام وسائل شتى، تبدأ بتمجيد الذات والأتباع، مروراً بظلم الآخرين والجناية عليهم، حتى تصل في النهاية إلى تجريم كل ما عدا الذات الجماعية لهم والولاء لتوجههم وقصر التلقي على رموزهم وإصداراتهم وإنتاجهم، ثم تحرّم التواصل مع المخالف، وتجعله جريمة وتقصيراً، فأي شخصٍ أو كتابٍ أو نشاطٍ لا ينطلق من خلفيتهم الأيديولوجية، فإن التلقي منه والتعامل معه يعتبر منقصةً، وأكثر من هذا فتنةً ومزلة قدمٍ، ويقنعون أتباعهم بأن تلك جريمة لا تغتفر! إن هذا التجريم الأيديولوجي مدروس ومقصود، ذلك أن أكثر ما يقلق الأيديولوجيا المنغلقة هو الانفتاح وتحريك العقل، وإعادة النظر والتفكير في الأشياء التي تشكل بنية الأيديولوجيا وعمودها، وذلك ما يتمّ عبر النظر من زوايا مختلفة للخروج بالحكم الأصوب، وغالباً ما يمارس القائمون على هذه الحركات تثبيت التجريم بأوسع نطاقٍ ممكن. إنهم يفعلون هذا بسبب مخاوفهم النابعة من إدراكهم لأمرين مهمين: ضعف ثقتهم بأفكارهم رغم ضخهم لها بيقينية جارفة، المبني سلفاً على معرفتهم بعظم الخلل الكامن في بنية أيديولوجيتهم الخاصّة. والثاني: الحرص البشع على المحافظة على مكتسبات اجتماعية وحركية قد يعرضها الانفتاح على الآخر للمراجعة والاهتزاز، وتلك مغامرة غير مضمونة، يجب الابتعاد عنها، حسبما يرون. ثمة حوادث معبرة عن هذه الوصاية يمكن رصدها وتحليلها وإخضاعها للمساءلة والتمحيص، منها على سبيل المثال دعوة الإخوان المسلمين في مصر عبر مشروعهم السياسي المسرّب في (2007) إلى لجنة شرعية للوصاية على الانتخابات، ومنها – أيضاً- دعوة بعض الحركيين في السعودية للرقابة على الانتخابات البلدية، ومثل هذه الدعوة التي ألقاها بعض المفتين بوضع لجنة علمية للوصاية على إدارة ومناهج جامعة عالمية مثل جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم والتقنية "كاوست". عوداً على بدء، فبعد تجريم المجتمع الذي يتمّ عبر التحكّم بمفاصل هذا المجتمع، وذلك من خلال مراحل متعددة ذات مسارات متباينة، كالتربية والتعليم، وكالتعليم العالي، وكالمؤسسات الخيرية، وكمؤسسات الأوقاف، وكبعض الوسائل الإعلامية المتاحة لهم -بعد كل هذا- يجيء الدور الأهم وهو دور فرض الوصاية على المجتمع. فبعدما يتمّ إسكان المفاهيم التي يريدون في وجدان وعقل وتفكير جيل كاملٍ بنوه على أيديهم، فإنهم لا يهتمّون إنْ كان هذا المعتقل وجدانياً وعقلياً وفكرياً، وزيراً أو حقيراً، أميراً أو خفيراً، فهم قادرون على الدوام أن يجعلوه يحسّ أمامهم بالتقصير وعقدة الذنب، وذلك هو ما نعنيه بمصطلح تجريم المجتمع تحديداً.