تبدو منطقتنا الممتدة من جبال أفغانستان إلى الصومال مروراً بإيران والعراق واليمن ولبنان وفلسطين والسودان في حالة من التمدد والاحتقان الدائمين. ومرة أخرى تعود أجواء وطبول الحرب لتقرع في المنطقة التي يلفها التوتر، وتغلفها لغة وخطاب يشتم منهما التصعيد والمواجهة على أكثر من جبهة في هذا الصيف اللاهب. فدرجات الحرارة في منطقتنا الخليجية خاصة وصلت إلى مستويات بل درجات غير مسبوقة، وتصريحات المسؤولين هنا وهناك من داخل المنطقة ومن خارجها تزيد من سعير المخاوف من أن شيئاً ما يُحضر للمنطقة. وكنت قد كتبت في هذه الزاوية خلال الأسابيع الماضية مقالات عديدة عما نعيشه، وعن سيناريوهات الحروب المتعددة، والحرب التي لن تفاجئنا، لو انفجرت في أي وقت، بسبب استسلام المنطقة لقدرها الذي يتجاذبها في اتجاهات مختلفة، وسط سيناريوهات لأكثر من حرب قد يتم التخطيط لها، ليبصر أحدها النور خلال الأشهر القادمة إذا ما توافرت له البيئة والعناصر اللازمة للعصف بمنطقة اكتوت وتحملت أكثر من حصتها من الحروب والصراعات والعسكرة، والتي هي بأمسِّ الحاجة الآن إلى نوبة من الأمن والاستقرار، لتحصد ثمار التنمية والتقدم والرخاء. وتتعدد خطوط وأخاديد الصدع الإقليمي الخطيرة لتطوق المنطقة بأسرها. ومن الواضح أن المشهد الإقليمي لا يبشر بالكثير من التفاؤل، على كل حال، وفي نظر عدد من المراقبين. وقد جرى تغيير قائد القوات الأميركية في أفغانستان مرتين خلال عامين مع تحول الحرب هناك إلى كابوس مقلق لإدارة أوباما، يستخدمه خصومه "الجمهوريون" كورقة انتخابية ضده وضد حزبه، حيث باتوا يقولون الآن إنها "حرب أوباما الاختيارية"! والأخطر هو عودة "طالبان" المحسوسة إلى المشهد، ورفضها التفاوض مع حكومة كرزاي لاقتناعها بأن الانسحاب العسكري الأميركي بعد عام يعني هزيمة قوى احتلال أخرى، مع توقع الأسوأ في المستقبل، وعلى رغم وجود تحضيرات لشن هجوم أطلسي كاسح -مع دخول فصل القتال الصيفي- على إقليم قندهار معقل "طالبان" لقلب الطاولة على الحركة، فإن هناك بعض الساسة الأميركيين ممن يطالبون بفتح قنوات تفاوض وحوار مع معتدلي "طالبان" مما يقوي موقف الحركة أكثر. وإلى العراق الذي يبقى مسجى على مشرحة التقسيم والتفكك والصراعات الداخلية، التي تبقي بلاد الرافدين في بحث دائم عن وضع الدولة الطبيعية العادية، وهي دولة لم تنجح كياناتها المتصارعة في تشكيل حكومة بعد أكثر من أربعة أشهر ونصف من الانتخابات. وهي لا تزال حالة تحت الإنشاء، ويصرف أعمالها رئيس وبرلمان وحكومة ولاياتهم منتهية، وتعيد إذكاء نار الفتنة مع الكويت بتصريحات مندوبها في الجامعة العربية حول الحدود مع الكويت، التي مسّت وتراً حساساً في الكويت في الذكرى العشرين على كارثة وخطيئة احتلال صدام للكويت. أما إيران فهي مركز الثقل في هذا المشهد الإقليمي المرتبك، حيث عادت مؤخراً موجة جديدة من الدراسات والمقالات والمواقف لترسم مشهداً يعيد أجواء التصعيد والمواجهة وحتى احتمال حرب أخرى إلى المنطقة. وقد أشارت مجلة "تايمز" الأميركية في عددها الأخير، في مقالة تحليلية إلى "عودة الحديث عن الهجوم على إيران"، وفيه تتذكر المجلة الأكثر انتشاراً في العالم ما ذكره وزير الدفاع الأميركي "جيتس" في عام 2008 من أن "حرباً أخرى في الشرق الأوسط هي آخر ما نريده، وستكون الحرب كارثية على جميع الأصعدة". ولكن مسار الأحداث ربما عاد ليدفع باتجاه المواجهة لعدة أسباب خلال الأشهر القادمة، وعلى رأسها اقتراب البرنامج النووي الإيراني من نقطة اللاعودة واستمرار إيران في التخصيب على رغم حزمة رابعة من العقوبات الصارمة، التي بدأت تؤثر على القطاعات المالية والمصرفية والتجارية وعلى قطاع الطاقة الإيراني وحتى على السفر والطيران. وعلى رغم ما يبدو أنه صفقة بين واشنطن وطهران حول إطلاق سراح العالم الإيراني شهرام أميري، الذي أنكر أن يكون عالماً نوويّاً، إلا أن لغة التصعيد ضد إيران استمرت بل تصاعدت بعقوبات دولية من مجلس الأمن شاركت فيها روسيا والصين، ولم يكن خلواً من المعنى طبعاً تحذير الرئيس الروسي من اقتراب إيران من تصنيع سلاح نووي في مؤشر على استمرار التباعد بين الحليفين القديمين. وقد ظهر تغير على الخطاب الأميركي أيضاً. فقد بدا أوباما وكلينتون ووزير الدفاع جيتس أكثر تشدداً، وعلق هذا الأخير خاصة: "إننا غير مستعدين حتى للحديث عن احتواء إيران نووية، ولن نقبل بإيران نووية". وزاد عليه مدير عام "السي آي أيه" أنه لا يعتقد أن العقوبات الدولية ستردع إيران عن الاستمرار في سعيها النووي. ولذلك، كما تذهب "التايمز"، فإن الخيار العسكري ربما يعود مجدداً ليطرح. ويدعم ذلك التوجه التحريض الإسرائيلي واستطلاعات الرأي التي تقول إن 56 في المئة من الأميركيين يؤيدون عملاً عسكريّاً إسرائيليّاً لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. وهناك أيضاً الحديث الإسرائيلي عن مواجهات مع "حزب الله" وخريف ساخن على الجبهة اللبنانية، وهناك مشروع تقسيم السودان الذي بدأ يتبلور بشكل واضح مع الاستمرار في توجيه التهم للرئيس البشير من قبل القاضي أوكامبو الذي أضاف إلى اتهاماته "جريمة الإبادة". وإلى الصومال، أكثر دول العالم فشلاً وفقراً، التي تحولت إلى دولة مصدرة للإرهاب عن طريق "جماعة الشباب" التي دبرت عملية إرهابية في أوغندا الأسبوع الماضي. وفي المجمل يرتسم أمامنا مشهد محبط ومؤلم لواقعنا العربي- الإسلامي الذي لا يجعل الكثيرين منا يتفاءلون. بل على العكس، في نظر بعض المتشائمين، قد يكون المخرج حرباً تنفس ذلك الاحتقان الكبير، ولكن الخشية من الحرب على الدوام هي النتائج غير المتوقعة التي تنجم عنها عادة!