حتى قبل عام 2007 عندما أُجهضت محاولات الإصلاح الشامل لقضية الهجرة في مجلس الشيوخ الأميركي، كان المنادون بالتضييق على الهجرة يشترطون لتسوية الوضع القانوني لأكثر من 11 مليون مهاجر غير شرعي ممن يعيشون في أميركا إغلاق الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وبالنسبة للعديد من الأميركيين تحول هذا الشرط إلى عقيدة ثابتة، لا تكاد تخلو منها السياسات الرسمية، وهو ما يظهر في عودة موضوع الهجرة مجدداً إلى طاولة النقاش مع الإدارة الحالية، حيث تلقف أوباما الدعوة نفسها مطالباً بتشديد المراقبة على الحدود، ومشتكياً من حالة الحدود "غير المضبوطة" و"المتردية"، واعتبر تشديد مراقبتها "واجباً ومسؤولية" يجب تحملها، مضيفاً أن البلاد "تنشر حالياً حراساً على الحدود أكثر من أي وقت مضى". وفي هذا السياق، توشك الحواجز والجدران التي تمتد على مسافة 670 ميلا على الانتهاء بعدما كان الكونجرس قد أمر ببنائها عام 2006 بتكلفة تصل إلى أربعة مليارات دولار، هذا بالإضافة إلى زيادة عدد الحراس من تسعة آلاف في عام 2001 إلى 20 ألفا عام 2009 بتكلفة تقدر بحوالي أربعة مليارات دولار إضافية. ولو احتسبنا تكلفة نشر قوات الحرس الوطني التي نلجأ إليها أحياناً، ومعها تكلفة أجهزة الاستشعار الإلكتروني وطائرات المراقبة وعملية تدريب الشرطة المحلية، ثم مصاريف احتجاز وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، فضلاً عن عدد لا يحصى من المصاريف الأخرى المرتبطة بأمن الحدود، فإن الفاتورة النهائية ستتجاوز عشرة مليارات دولار في السنة، لكن السؤال الذي يظل مطروحاً: هل يكفي الزيادة في عدد القوات على الأرض لإغلاق الحدود؟ لا سيما في ظل التاريخ الطويل من النتائج العكسية التي أنتجتها محاولات إصلاح الهجرة. فعلى مدى عقدين من الإجراءات المتشددة لمنع تدفق المهاجرين منذ تمرير قانون إصلاح الهجرة في العام 1986، لم تنجح السياسة الرسمية في تقليص عدد المهاجرين غير الشرعيين، بل يبدو أنها ضاعفت أعدادهم، هذا في الوقت الذي تم فيه تجاهل قضية الوظائف وفرص العمل، التي تعد المحرك الرئيسي للهجرة الشرعية منها وغير الشرعية. وقد سبق لعالم الاجتماع "دوجلاس ماسي" من جامعة بريتسون التأكيد قبل عقد من الزمن على أن إجراءات تأمين الحدود أتت بعكس النتائج المرجوة، فبعد تشديد عملية عبور الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، أشار عالم الاجتماع أنه أصبح من الصعب على العامل الموسمي الرجوع إلى المكسيك بعد انتهاء فترة عمله، كما أن تعزيز الأمن والمراقبة على الحدود، دفع العمال الذين كانوا يجتازونها ذهاباً ورجوعاً إلى البقاء داخل الولايات المتحدة، خوفاً من الاعتقال، وهم يعبرون إلى بلدهم، وبدؤوا أيضاً يفكرون في استقدام عائلاتهم للاستقرار داخل أميركا. ومن النتائج العكسية الأخرى لسياسات الهجرة المتشددة ظهور قوانين أكثر تشدداً وتشريعات متطرفة، كما هو الحال في ولاية أريزونا التي أقرت قانوناً يسمح بطرد المهاجرين وتوقيفهم لدى الاشتباه فيهم، لكن تبقى النقطة الغائبة في كل هذه الإجراءات ما أشارت إليه مؤسسة "السياسة العامة" في كاليفورنيا، والمتمثلة في تجاهل العامل الاقتصادي ودوره المحوري في تحريك عجلة الهجرة إلى الولايات المتحدة، وهو أمر لا يختلف كثيراً عن تجربة الهجرة في أميركا على مدار القرن ونصف القرن الماضي، عندما كانت دائماً مرتبطة بالحالة الاقتصادية للبلاد. فقبل قرن ونصف القرن، عندما انتهت الحرب الأهلية الأميركية، واحتاجت السوق المحلية للعمال بسبب الاختلالات التي أحدثتها الحرب، أرسلت بعض الولايات مبعوثين لها إلى أوروبا بحثاً عن عمال، ويبدو أن أميركا ترحب بالعمال خلال أوقات الرفاه والازدهار، في حين تطردهم عندما تسوء الأوضاع، وهو ما يعبر عنه الخبير في شؤون الهجرة "فيليب مارتن" قائلاً: "لقد سعينا لاستقدام عمال، لكن وجدنا أنفسنا في النهاية إزاء بشر". والحقيقة أن التجربة الأميركية مع الهجرة، عادة ما يشوبها الالتباس بجمعها بين الإجراءات المتشددة لمنع تدفق المزيد من المهاجرين وفتح الأبواب للهجرة الشرعية، والأمر نفسه يظهر في الاستطلاعات التي تستمزج آراء الأميركيين، ففيما يؤيد الأميركيون القوانين والتشريعات التي سنتها ولاية أريزونا، فإنهم لا يمانعون أيضاً في تسوية أوضاع المهاجرين إذا سددوا الغرامات المفروضة عليهم ودفعوا الضراب (وهو الأمر الذي يقومون به بالفعل). كما أنه في الوقت الذي ترحب فيه بعض الولايات بالمهاجرين، تسعى أخرى إلى طردهم، فعلى سبيل المثال تقدم ولاية كاليفورنيا مساعدات وخصومات على الدراسة الجامعية للمهاجرين غير الشرعيين، فيما تمنعهم من الحصول على رخصة القيادة. ولعل ما يثبت ارتباط الهجرة بالعامل الاقتصادي انخفاض عدد المهاجرين غير الشرعيين في الثلاث سنوات الأخيرة، حيث تراجع من 12 مليونا إلى 10 ملايين مهاجر، وفيما تفسر بعض الجماعات المناهضة للهجرة هذا التراجع بالإجراءات المتشددة على الحدود وتأمين المنافذ، تبقى الحقيقة أن الانخفاض سببه الأزمة الاقتصادية والضغوط التي يعرفها سوق العمل، حيث قرر عدد كبير من المهاجرين الرجوع إلى المكسيك. وبالطبع لا تعني هذه النتائج التخلي عن تأمين الحدود لمنع تسلل المهربين وتدفق المخدرات والجريمة، لكن لا بد أثناء وضع استراتيجية فعالة للتعامل مع قضية الهجرة من إدراج العامل الاقتصادي باعتباره الدافع الأساسي، الذي يقف وراءها، وفي هذا الإطار يمكن التركيز على حمل المشغلين على احترام حقوق العمال، ما يقلل من جاذبيتهم واستغلالهم، كما يتعين الاهتمام بالمكسيك، التي تعد شريكاً اقتصادياً مهماً للولايات المتحدة وإدماجها في إطار منطقة للتعاون الإقليمي لتستفيد من المساعدات الاقتصادية، كتلك التي استفادت منها البرتغال وإسبانيا لدى انضمامهما إلى الاتحاد الأوروبي عام 1986، والتحول الكبير الذي أحدثه ذلك على هجرة مواطنيهما إلى البلدان الأوروبية. بيتر شريج كاتب أميركي متخصص في شؤون الهجرة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"