لقد تكرر سماع المرء لأشخاص مثل الصحفيين والأكاديميين وهم يشرحون في أحيان عديدة مفهومهم المثير للشك والجدل حول حلول نهاية عصر دولة الأمة التقليدية. لكن على هؤلاء أن يلقوا نظرة متمعنة على الدولة التركية، القوة العسكرية الضاربة ذات الكثافة السكانية البالغ عددها 72 مليون نسمة، وهي تتجه بسياساتها الخارجية بعيداً عن الغرب، نحو الشرق المضطرب الأوضاع. ومن المتوقع أن يكون لهذا التحول أثر بالغ ومبكر على المنطقة. وكان وزير الخارجية البريطاني الجديد، ويليام هيج، زعيم المحافظين السابق عندما كان الحزب معارضاً، قد بذل ما بوسعه لتفادي انصراف تركيا عن الغرب واتجاهها شرقاً. غير أنه تسلم منصبه الحالي متأخراً جداً ولم يعد له ما يمكن فعله لتحقيق ذلك الهدف الذي كان يسعى إليه. فبالنسبة لبريطانيا تظل تركيا حليفاً لا غنى عنه في حلف "الناتو"، رغم ما يشوب تلك العلاقة جملة من المشاكل الملغزة نوعاً ما. ولعل السبب الرئيسي لغضب اسطنبول من الغرب واتخاذها قراراً بالانصراف عنه، كونها مرشحة لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام 1999، لكنها طالما استاءت ونفد صبرها من ضعف التأييد الذي لقيته من أعضاء الاتحاد البالغ عددهم 27 دولة. وكما نعلم فإن الاتحاد الأوروبي يمثل أكبر مجموعة اقتصادية دولية، ويبلغ حجمه السكاني حوالي 492 مليون نسمة. وبالنسبة لي فقد بدا واضحاً منذ بضع سنوات عدم تمكن تركيا من نيل عضوية الاتحاد، بسبب المعارضة القوية التي يواجه بها طلبها من قبل الكثير من الدول الأعضاء في الاتحاد، لاسيما اليونان وفرنسا وألمانيا. ويمثل انقسام الجزيرة القبرصية عاملاً حاسماً في تفسير البرود الذي يبديه الاتحاد الأوروبي إزاء تركيا وتطلعاتها للانضمام إلى عضويته. ذلك أن اسطنبول هي الممول الرئيسي للجزء الشمالي من الجزيرة، إضافة إلى كونها العاصمة الوحيدة التي أعلنت اعترافها بقبرص الشمالية من بين عواصم العالم كله. وللاتحاد الأوروبي موقف حازم في رفضه نشر القوات التركية في الجزء الشمالي من الجزيرة. وضمن السياسات التي اتخذها رئيس قبرص الشمالية الذي انتخب قبل بضعة أشهر، الدكتور ديرفيس إيرجلو -الذي يعرف بأنه يميني وطني متشدد- اتخاذه قراراً برفض عودة أي من القبارصة اليونانيين إلى أي شبر من الأراضي التي احتلها القبارصة الأتراك. وعلى مستوى السياسات الإقليمية والدولية، فقد اتخذ رئيس الوزراء التركي الحالي، أردوجان، موقعاً دولياً قيادياً في توجيه الانتقادات للهجوم الإسرائيلي على سفن قافلة الحرية في شهر مايو المنصرم. ولم يكتف أردوجان بمجرد توجيه الانتقادات الحادة لإسرائيل فحسب، بل أمر بسحب سفيره من تل آبيب، وطالب مجلس الأمن الدولي بعقد جلسة طارئة لمناقشة ذلك الهجوم الإسرائيلي. لكن وبسبب كون الولايات المتحدة الأميركية عضواً دائماً في المجلس، وكونها قادرة على تخفيف حدة الانتقادات الموجهة لإسرائيل، فقد جاء البيان النهائي الصادر عن مجلس الأمن حول الهجوم الإسرائيلي على القافلة المذكورة، أضعف مما سعت إليه اسطنبول. ويجدر بالذكر أن تركيا كانت الشريك الاستراتيجي لإسرائيل والصديق الأكثر قرباً لها في العالم الإسلامي كله. ولطالما تباهت تركيا بكونها أول دولة إسلامية تعلن اعترافها بإسرائيل وتسارع إلى بناء علاقات دبلوماسية وشراكة معها. وكان من رأي بعض المحللين والمراقبين، أن تركيا سوف تتجاوز سريعاً حادثة الاعتداء الإسرائيلي على قافلة الحرية، وما نتج عن ذلك الاعتداء من مصرع تسعة ركاب أتراك كانوا متجهين نحو غزة في مهمة إنسانية هدفت إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على كافة سكان القطاع منذ عدة سنوات. وبذلك التجاوز ستستأنف اسطنبول علاقاتها الطبيعية مع إسرائيل. لكن أخطأت حسابات هؤلاء المراقبين دون شك، إذ لا يزال الشعب التركي غاضباً جداً على ما ارتكبته إسرائيل. فقبل أيام معدودة أكدت تركيا منعها رحلة جوية إسرائيلية من استخدام أجوائها. أما التحقيق الإسرائيلي المزعوم في حادثة الهجوم غير المشروع على القافلة، فلا تثق فيه تركيا مطلقاً وتراه تحقيقاً غير ذي مصداقية. وفي المقابل يزداد قلق العواصم الغربية إزاء جهود تركيا لتعزيز علاقاتها الثنائية مع إيران، خاصة وأن اسطنبول تكثر الآن من استشارتها لطهران في المسائل الأمنية والإقليمية. وفي شهر مايو المنصرم، أبرمت كل من إيران وتركيا والبرازيل صفقة لها صلة بالبرنامج النووي الإيراني. ووفقاً لتلك الصفقة، فقد تقرر أن تنقل طهران 1200 كيلوجرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب الذي أنتجته ضمن برنامجها النووي إلى تركيا، مقابل حصولها من مجموعة 5 + 1 على الوقود النووي اللازم لتشغيل مفاعل للنظائر المشعة يستخدم لعلاج مرضى السرطان الإيرانيين. وكان رئيس الوزراء التركي قد أجل زيارة له لجمهورية أذربيجان، حتى يتمكن من التواجد في طهران مع الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا. وبصفتهما عضوين غير دائمين في مجلس الأمن الدولي، تعتقد تركيا والبرازيل أنه ليس هناك ما يستدعي فرض دورة جديدة من العقوبات الدولية على طهران. لكن وعلى رغم التوتر الذي ساد مؤخراً العلاقات التركية-الإسرائيلية، فإنه يصعب القول بانقطاع هذه العلاقة وجفافها للأبد. فقد زار وفد عسكري تركي مؤخراً إسرائيل بغرض مناقشة مجالات التعاون الدفاعي بين البلدين. غير أن لحكومة نتنياهو، سجلاً دبلوماسياً سيئاً للغاية. نضرب لذلك مثلاً واحداً بتورط أجهزتها الاستخباراتية في جريمة اغتيال المبحوح، القيادي بحركة "حماس"، في دبي قبل عدة أشهر. والذي تكشف في إطار التحقيق حول هذه القضية أن جهاز "الموساد" استخدم ستة من القتلة المحترفين، استغلوا جوازات بريطانية مزورة في دخولهم إلى دبي. ويصعب بالطبع إقامة علاقة صداقة مع حكومة كهذه. ويذكر أن وزير خارجية تركيا الآن، وهو يبحث عن أفضل العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول الجوار، خاصة مع إيران وسوريا. وقد بذلت اسطنبول جهوداً كبيرة في الوساطة ما بين سوريا وإسرائيل خلال الفترة الماضية، بتشجيع واضح من واشنطن كما هو معلوم. غير أن هذه الجهود قد انهارت مؤخراً جراء الهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية المتجهة إلى غزة. وفي الوقت الحالي، فإنه من المفهوم أن تقرر اسطنبول الابتعاد لبعض الوقت عن حليفتها إسرائيل التي خسرت حتى علاقاتها مع الرئيس الأميركي أوباما بسبب صلفها واستبدادها وقصر نظرها. ومما يسر المرء أن تركيا تمثل اليوم قوة إقليمية صاعدة، وأن لها الكثير مما تستطيع تقديمه لجيرانها العرب. وفوق ذلك، فهي تجيد فهم سياسات تل أبيب، قياساً إلى فهم معظم جيرانها لتلك السياسات.