أفاد تحقيق مستقل نُشر قبل أيام حول مجموعة مثيرة للجدل من الرسائل الإلكترونية سرقت في وقت سابق وخرجت الآن إلى العلن، بأن باحثين في مجال التغيرات المناخية بإحدى الجامعات البريطانية فشلوا في الرد على أسئلة منتقديهم بطريقة منفتحة وشفافة، إلا أنهم مع ذلك ظلوا ملتزمين بالمعايير العلمية الرصينة ولم يتلاعبوا عن عمد بالمعطيات العلمية المتعلقة بظاهرة الاحتباس الحراري، كما ذهب إلى ذلك المنتقدون. وقد خضعت الرسائل الإلكترونية التي سرقت من جامعة "إيست إنجليا" البريطانية في العام الماضي لتمحيص دقيق بسبب الجدل الواسع في صفوف الرأي العام البريطاني الذي أثارته عندما نُشرت أول مرة، بل إنها كانت محل جدل أوسع حتى عالميّاً في وقت كان العالم فيه يتهيأ لعقد قمة كوبنهاجن حول التغير المناخي. ويبدو أن فحوى الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين العلماء والباحثين استغلها المتشككون في حقيقة الاحتباس الحراري والأسس العلمية التي يستند إليها لاتهام الباحثين المذكورين بأنهم حاولوا عمداً التلاعب بالمعطيات العلمية بهدف إبراز تلك التي تؤكد الصلة بين النشاط البشري على الأرض والاحتباس الحراري دون غيرها، في انتهاك سافر، حسب رأيهم، لأخلاقيات البحث العلمي. ولكن تحقيقاً خارجيّاً أجرته جامعة مستقلة ونشرت نتائجه قبل أيام نفى تلك التهم وبرأ ساحة العلماء، لاسيما فيما يتعلق بالتجاوزات المرتبطة بالنزاهة العلمية وعدم احترام قيود ومنهج البحث العلمي الرصين المعروف في المراكز العملية والأوساط الأكاديمية. وقد أكد التقرير أنه على رغم الخلاصات المتسرعة التي وصل إليها منتقدو الرسائل الإلكترونية تبقى "نزاهة العلماء وكفاءتهم" بعيدة عن كل شك، كما أن التقرير استبعد أي تلاعب من قبل العلماء في جامعة "إيست إنجليا" بالمعطيات التي قد تؤثر على النتائج النهائية لأبحاثهم وتوجه الرأي العام حول مسألة مهمة مثل الاحتباس الحراري. ولكن التحقيق وجه انتقاده أيضاً إلى وحدة الأبحاث المناخية في الجامعة لتعاملها غير المهني مع الانتقادات وتأخرها في كشف المعطيات وترددها في قاسمها مع الرأي العام، والاستجابة لحق الجمهور في معرفة الحقائق العلمية والنتائج التي يتم التوصل إليها، وهو ما أدى إلى إذكاء الشكوك المتعلقة بنوايا الباحثين واحتمال ضلوعهم في عملية تزييف للحقائق وتهويل من خطورة الاحتباس الحراري الذي ينكره بعض المتشككين. وأشارت اللجنة التي أشرفت على التحقيق إلى "ظهور نمط متكرر من إخفاء المعطيات وعدم التعامل بشفافية مع الرأي العام" سواء تعلق الأمر بالعلماء أنفسهم الذين يشتغلون في الوحدة العلمية، أو بالجامعة كمؤسسة علمية وأكاديمية لها التزامات تجاه المجتمع والرأي العام. وجاء التحقيق المستقل ليعكس نتائج سابقة توصل إليها تحقيقان مستقلان أحدهما أجراه البرلمان البريطاني والثاني قامت به إحدى الجامعات حول ما بات يعرف في المملكة المتحدة بـ"كلايمت جيت" من أن المنهجية العلمية المتبعة لا تشوبها شائبة وأن الحقائق المعروفة حاليّاً حول الاحتباس الحراري وارتباطه بالنشاط البشري لا يرقى إليها الشك من الناحية العلمية المحض. ولكن التحقيقات جميعاً اتفقت في الوقت نفسه على الطريقة غير المهنية في التعامل مع المنتقدين وإصرار الباحثين على حجب المعلومات وكأنهم يخفون شيئاً. هذا مع أن العلم واضح بشأن أسباب التغير المناخي. يُذكر أن الرسائل الإلكترونية التي كان العلماء يتبادلونها فيما بينهم عندما سُربت في شهر نوفمبر الماضي ونُشرت علناً في العديد من المنابر الإعلامية أثارت حالة من البلبلة في أوساط المهتمين ولدى عموم الجمهور، ما أعطى فرصة سانحة للمتشككين في ظاهرة الاحتباس الحراري ليؤكدوا صحة مزاعمهم، على رغم خطئها من الناحية العلمية. وسواء كان الأمر صحيحاً أم لا، فقد ألقى بعض المراقبين باللوم على الجدل الذي أثارته قضية الرسائل الإلكترونية المسربة في عدم خروج قمة المناخ العالمية التي عُقدت في شهر ديسمبر الماضي بنتائج مهمة، فضلا عن تراجع ثقة الرأي العام في الإجماع الذي تكون إلى غاية اليوم حول التغير المناخي والاحتباس الحراري المسبب له. ومن بين الرسائل الإلكترونية التي خلقت ضجة كبيرة وعززت مزاعم المتشككين تعليق الباحث "فيل جونز" من وحدة الأبحاث التابعة للجامعة الذي تحدث فيه عن "حيلة" استخدمت لإخفاء التراجع الملحوظ في درجات الحرارة العالمية، وهو ما دفع الجامعة إلى إعفاء ذلك الباحث من منصبه، ولكن التحقيق الذي نُشرت نتائجه الآن أكد أن المعلومات التي أوردها في رسالته الإلكترونية انطوت بالفعل على "غموض"، إلا أنها ليست بحال من الأحوال جزءاً من محاولة أو "حيلة" للتدليس، أو لي أعناق الحقائق العلمية التي تبقى متوافرة على نطاق واسع في المراكز البحثية على امتداد العالم. وبعد صدور نتائج التحقيق وتأكد خلو عمل الباحثين من أية تجاوزات للمنهجية العلمية عادت جامعة "إيست إنجليا" لتوظيف الباحث "فيل جونز" مجدداً بعدما برأت ساحته من أية مزاعم للتلاعب بالحقائق العلمية. وفي رد له على القضية المثيرة قال "جونز" للإعلام: "لقد كنا دائماً نركز في الجامعة على متانة البحث العلمي والتزامه بالمعايير الصارمة في هذا المجال، وقد جاءت نتائج التحقيق لتؤكد ذلك وتنفي التهم الموجهة لنا". وفي السياق نفسه قال "إدوارد أكتون"، رئيس الجامعة "إن التحقيق أعاد المصداقية لوحدة البحث العلمي في مجال التغير المناخي داخل الجامعة، بل لقد أعاد ثقة الجمهور في مجمل الأبحاث العلمية المتعلقة بالموضوع على المستوى العالمي". -------- هينري تشو - لندن ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"