مرَّ وقت طويل نسبياً، ودارت أحداث جِسام في دول العالم النامي منذ أن بدأت الدراسات، التي تعالج علاقة جماهير هذه الدول بنخبها السياسية وبالسلطة والقوة. واتصف مرور الوقت هذا بانحسار الكثير من الشعارات التي سمعتها الجماهير من نخبها السياسية عندما ولجت أوطانها في حقبة الاستقلال السياسي. وعلى الوتيرة نفسها، حدثت تغيرات ملحوظة على الأجواء السياسية في العالم، والتي استمدت منها نخب العالم النامي السياسية بقاءها واستمراريتها وتواجدها في مراكز القوة والسلطة. لذلك فإن تلك الأحداث والمتغيرات كان من شأنها أن تؤثر على علاقة الجماهير بالنخب السياسية، الأمر الذي خلق إطاراً نظرياً جديداً لدور جماهير الدول النامية في شؤون السلطة والقوة، ذلك الإطار يتكون من ثلاثة مظاهر أساسية. أولاً: تقوم الجماهير بنقد السلطة الحاكمة، كما يحدث في العديد من دول العالم النامي حالياً، وذلك من خلال القيادات الجماهيرية التي تبرز سواء من أوساط المثقفين أو الساسة المعارضين، وهؤلاء القادة الجماهيريون يعملون إما من خلال قيامهم بالقيادة الفعلية للحركات الجماهيرية الناقدة أو المعارضة أو من خلال توعية الجماهير وحثها أو حتى تحريضها، أو عن طريق رفض شرعية السلطة السياسية الحاكمة. ثانياً: مشاركة الجماهير في السلطة، وتأتي هذه المشاركة عبر وسائل ثلاث هي التأثير على السياسات الرسمية من جانب وعلى الرأي العام للقبول بتلك السياسات من جانب آخر، وعبر نصح السلطات الحاكمة وتقديم المشورة لها من خلال قنوات دستورية ومؤسسية يتم إنشاؤها لهذا الغرض، وعبر انخراط قيادات جماهيرية معروفة بشكل فعلي في الحياة السياسية العملية كسياسيين محترفين، وإن كانوا في صفوف المعارضة. وبطبيعة الحال فإن عملية التأثير الجماهيري على السياسات تتوخى في المحصلة النهائية إصلاح الأوضاع القائمة بهدف تغيير ما هو قائم إلى الأفضل، والشعارات المطروحة عن طريق كافة وسائل الضغط المتاحة على النخب الحاكمة. وتتوقف إمكانية حدوث هذه الظاهرة في أي مجتمع على الدرجة التي يمكن للنظام السياسي القبول بها. ومن الممكن أن يتجلى تأثير الجماهير الموجه للسياسات في عدة أدوار يمكن أن يؤديها قادة تلك الجماهير من أصحاب الشخصيات القادرة على التواصل والإقناع، أو عن طريق المساعدة على وضع الحجج الدامغة التي تضمن سلامة القرار السياسي المتخذ والحلول العملية للمشاكل. وفي عصرنا الحديث أصبحت تلك المعلومات من الأمور، التي لا يمكن لأي متخذ قرار واع أن يستغني عنها. ويلاحظ بأن الأمم المتقدمة تنشئ المراكز العلمية والإدارات المتخصصة، لكي تمارس القيادات الجماهيرية تحت أسقفها وعبر ميزانياتها نشاطهم لتقديم المشورة السياسية المتكاملة للنخب الحاكمة والأجهزة التي تديرها. ثالثاً: العزل، وهنا تكون مشاركة الجماهير في الحياة السياسية ذات طبيعة سلبية حيث توجد شرائح واسعة من المجتمع تعتبر لا مبالية بشؤون السياسة والمجتمع. ويعزى هذا النمط السلوكي الجماهيري اللامبالي إلى ما يعرف "بالإقرار الصامت بين الجماهير والنخب الحاكمة"، تمتنع عبره الجماهير عن انتقاد السياسات المرسومة والمنفذة. وفي مقابل ذلك، تقوم النخب الحاكمة بتوفير مزايا اقتصادية واجتماعية مغرية للجماهير استرضاء لها.