الإعلامية أوكتافيا نصر العاملة في محطة CNN الأميركية العالمية منذ سنوات طويلة اضطرت إلى تقديم استقالتها لأنها أسفت على غياب المرجع الكبير العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله. هي لم تقل كلمة في السياسة. تحدثت عن إنسانية وفكر الرجل. وعلى رغم ذلك فإن "الديمقراطية الأميركية" لا تقيم وزناً واعتباراً للعقل الذي لا حدود له ولا هوية له. ولا تخصص مكاناً له بل لا تحتمل كلمة في مكان ومقام إنساني. فما دام السّيد ضد إسرائيل، فإن انفتاحه وعلمه وعقله وركونه إلى الحوار والعلم كمرجع لا احترام له. وما دام ضد إسرائيل فلا يجوز النظر إلى أي شيء إيجابي فيه وما أكثر الإيجابيات والميزات المهمة في شخصية تلك القامة الكبيرة. فعن أي جوانب إنسانية تتحدث أميركا عندما تنظم حملات ضد مجتمعات ودول وأمم وشخصيات في سياق زعم الدفاع عن حقوق الإنسان؟ أليس أبسط حق من حقوق الإنسان أن يفكر؟ وإذا فكر أليس من حقه أن يعبّر؟ فكيف إذا كان المفكر والمعبّر هما شخصية تختزن موسوعات معرفة كثيرة؟ يكفي أن تنطق ضد إسرائيل لتصبح معرّضاً للحصار ومنع الكلام عنك ومعرّضاً للاغتيال على يد الإسرائيليين كما حصل مع السيد فضل الله نفسه.. أما أن تقتل إسرائيل وتهجّر أبناء الشعب الفلسطيني وتحتل أرضهم وتمارس كل أشكال الإرهاب ضدهم، وأن تحتل الأرض اللبنانية وتجتاحها أكثر من مرة وتنتهك القرارات والقوانين والشرائع والأعراف الدولية فهذا أمر مقدّر ومهم وإنساني وأخلاقي وممنوع انتقاده! هذه هي الديمقراطية الأميركية التي تعتبر في الوقت نفسه إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في منطقتنا. وهذه كذبة كبيرة بالتأكيد. والأمر نفسه ينطبق على الديمقراطية البريطانية الحديثة. فالديمقراطية البريطانية العريقة الجذور، القديمة التي ميزت تاريخ وتراث المجتمع البريطاني انحدرت اليوم إلى مستوى خطير وذلك عندما ألزمت السفيرة البريطانية "فرانسيس غاي" بسحب تصريح لها والاعتذار، وهو تصريح يتضمن أيضاً تعبيراً عن أسف لغياب السيد فضل الله واستشهدت بمقابلة لها معه تركت في نفسها أثراً عميقاً نظراً لما كان يتمتع به الرجل من معرفة وهدوء وقوة فكر وإقناع. وإلى بريطانيا نفسها، يتجنّب عدد من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي الدخول، خوفاً من اعتقالهم بتهم ارتكاب جرائم حرب. ومن بريطانيا نفسها صدرت مواقف تدعو إسرائيل إلى تسهيل العملية السلمية وأحياناً كان انتقاداً بطريقة أو بأخرى لسياستها. والرباعية الدولية يرأسها بريطاني بل رئيس سابق لوزراء المملكة المتحدة. كل ذلك لا أثر له. المهم اليوم إسرائيل مهما فعلت. ممنوع انتقادها، وبالتالي ممنوع رثاء أو نعي أو التعزية في شخصية مثل شخصية فضل الله! غريب أمر هذه المجتمعات. هذه الحكومات. أي عادات وتقاليد تعمّم؟ وسبقت السيدتين نصر و"غاي" الإعلامية الأميركية الشهيرة هيلين توماس التي تعرضت لضغوط كبيرة وأوقفت عملها أو مساهماتها كصحافية "شرف" نظراً لخدماتها وخبراتها الطويلة، فقط لأنها انتقدت إسرائيل. متى؟ فعلت ذلك، عندما اعتدت إسرائيل على سفن الحرية التركية ودفعت الناس إلى ترك بيوتهم في القدس، وما زالت مستمرة في حصار غزة، وترفض كل أشكال الحلول، وتقيم أسوار العزل والحصار ضد الفلسطينيين، ويدعو قادتها إلى ارتكاب مزيد من الجرائم الجماعية بحقهم، وتتمسك الدولة العبرية بحق امتلاكها السلاح النووي لتهديد الآخرين به، الذين تتمسك بحقها في ممارسة كل أشكال الضغوط عليهم لمنعهم من امتلاك أي سلاح. وجاءت الحملة عليها لتتزامن مع زيارة نتنياهو إلى واشنطن وترميمه العلاقة مع أوباما، لتعود علاقة حميمة قوية على حساب الأمن والاستقرار في المنطقة. منذ تلك الزيارة والاندفاعة الإسرائيلية في اتجاهات عديدة قوية. عدنا إلى الحديث عن استفتاء شعبي حول الجولان والقدس يبتّ في مصير هاتين المنطقتين، وفي الوقت ذاته يدعون إلى مفاوضات دون شروط! وجاء الإرهابي ليبرمان ليتحدث عن حل يقوم على أساس "الأرض مقابل السكان" وليس "الأرض مقابل السلام". هذا شعار انتهى بالنسبة إليه. ويؤكد ما كنا نقوله منذ بداية مؤتمر مدريد: السياسة الإسرائيلية تريد تكريس مبدأ "الأرض لنا والسلام لنا". أي "الأرض ليست لكم والسلام عليكم". ماذا يعني شعار الأرض مقابل السكان؟ فعليّاً يعني تفريغ مناطق الـ 48 من سكانها ليقيم اليهود عليها و"نقل" السكان المقيمين هناك إلى مناطق أخرى. وهذا فعليّاً هو جوهر الشعار الذي رفع حول يهودية الدولة وقلنا أكثر من مرة إنه يهدد حقين: حق الفلسطيني في العودة من الخارج. وحق الفلسطيني في البقاء في الداخل! لا يمكن لهذه السياسة الإسرائيلية أن تدوم على رغم محاولات الرهان على انقسام عربي وتفكك مذهبي والسعي إلى اختراق مجتمعاتنا أمنيّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً واجتماعيّاً. وفي النهاية سيكون مزيد من الحقد والكراهية ضد الإسرائيليين لأن الظلم غير مقبول ودوام الحال من المحال. وكذلك لا يمكن للسياسة الأميركية الحالية أن تكون عنصراً مساهماً في إرساء أمن واستقرار في المنطقة ويمكن أن تؤدي إلى نتائج سلبية خطيرة. ومحاولات الهرب الأميركي من مواجهة حقائق الفشل في العراق وأفغانستان خصوصاً وفلسطين عموماً ولبنان إلى تفجير الأوضاع في كل مكان قد تنجح لفترة وتؤدي الغرض المطلوب لكن في النهاية سيكون أيضاً مزيد من الحقد والكراهية ضد هذه السياسة. إن الحقد الإسرائيلي لن يولّد إلا المآسي. وطبعاً تبقى اللازمة الدائمة عند إبداء أي رأي أو تحليل أو موقف. نحن نعرف ما يريده الآخرون، وما يخططوه لنا. فهل نعرف ماذا نريد ونقرر ما يجب القيام به لنتحمل نحن أيضاً مسؤولياتنا؟ نحن مقبلون على أشهر صعبة، ينبغي أن يكون جوابنا سريعاً.