بعد ستة أشهر تقريباً، سيُجرى الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب السودانيّ والعلاقة التي تربطه بالشمال. هذا ما قضى به اتّفاق نيافاشا الموقّع في 2005 بين "حزب المؤتمر الوطنيّ" الحاكم في الخرطوم، بقيادة الرئيس عمر البشير، و"الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي يتزعّمها نائب الرئيس سيلفا كير. لكنّ معظم المراقبين والمتابعين للشأن السودانيّ يتّفقون على أنّ النتيجة المرجّحة ستكون "تقرير المصير" أو انفصال الجنوب. فإذا وفّى البشير بتعهّده احترام نتائج الاستفتاء وتنفيذ عمليّة الطلاق سلماً، بتنا قريباً أمام "دولتين" سودانيّتين. فكأنّ الحكم الائتلافيّ الذي أنتجه اتّفاق نيافاشا، للمرّة الأولى في تاريخ السودان الحديث، لم يكن سوى إعداد للانفصال أو استباق له. ورغم الولع الشائع، في ثقافتنا السياسيّة والدينيّة، بالوحدة، فإنّ إرادة السودانيّين هي ما يستوجب الاحترام أوّلاً. وإذا كان الانفصال هو ما يوقف النزيف البشريّ والاقتصاديّ المتمادي، فلمَ لا؟ في الحالات كافّة فإنّ الموضوع ليس هنا فحسب. ذاك أنّنا إذا ما نظرنا إلى الحدث السودانيّ من ضمن أفق إقليميّ وعربيّ أعرض، فجَعتْنا مسلسلات الفشل المتوالي في إقامة أنظمة تعدّديّة وفي إنجاحها. يقال هذا بينما نشهد بأمّ العين المصاعب المتعاظمة التي يواجهها استمرار الوحدة اليمنيّة. وللأسف فإنّ الخبر الصادر عن اليمن يغدو يوماً بيوم أكثر اصطباغاً بالدم وبمواقف القطع والحدّة. ولا بأس بالتذكير، قياساً منّا لحجم الفشل، بأنّ الوحدة اليمنيّة إنّما ولدت في الظرف الزمنيّ والسياسيّ نفسه لولادة الوحدة الألمانيّة. إلاّ أنّ الفارق بين التجربتين وبين مصائرهما بات أكبر كثيراً من أن تخطئه العين. أمّا العراق فتثير تجربة اجتماعه الطائفيّ والإثنيّ أسىً بعيداً يجدّده كلّ يوم ذاك الدم المسفوح في بغداد وفي مدن بلاد الرافدين الأخرى. والخوف كلّ الخوف أن يكون الاستخلاص المنطقيّ الذي يترتّب على الدرس العراقيّ مفاده الانسداد التاريخيّ المحكم: إمّا مصيبة الاستبداد الذي يبقي البلد موحّداً على السطح، وإمّا مصيبة التفتّت الدمويّ في ظلّ الحريّة. وهذا ناهيك عن احتمال تكرار الحالة العراقيّة في كلّ بلد عربيّ قد ينتقل، عبر هذه الطريقة أو تلك، من حكم استبداديّ مغلق إلى التمتّع بحريّة لا تواكبها ثقافة مجتمعيّة وسياسيّة ملازمة. وبدوره، فإنّ لبنان يتحايل يوماً بيوم على انشقاقه العميق، المزمن والمتعاظم. فإذا ما صحّت تكهّنات المتحدّثين عن حرب إسرائيليّة محتملة على "حزب الله" وعليه استطراداً، جاز افتراض الأسوأ على صعيد اللحمة الوطنيّة بين اللبنانيّين. وثمّة، في هذا الإطار، من يحذّر من احتمالات تنازع متجدّد ومفتوح بين الطائفتين السُّنيّة والشيعيّة، ومن يقدّر أنّ المسيحيّين قد لا يمضون في دفع الأكلاف الباهظة لسياسة لا يد لهم في اختيارها. ولن نمرّ على المنطقة العربيّة بلداً بلداً، إذ الأمثلة المذكورة أعلاه كافية لجلاء حقيقة العجز العربيّ عن بناء تجارب تعدّديّة ناجحة وقابلة للحياة. وما يجعل الأمر أخطر ممّا قد يُظنّ أنّنا لا نملك، على ما تدلّ تجاربنا الكثيرة، كيفيّات الطلاق المتمدّن بين الشركاء، كمثل ذاك الذي عرفته تشيكوسلوفاكيا السابقة حين انفصلت سلميّاً، بل حبّيّاً، إلى دولتي تشيكيا وسلوفاكيا، أو الذي قد تعرفه بلدان أوروبيّة أخرى كبلجيكا. ذاك أنّ العنف كان، وسيكون، الترجمة الأكثر مباشرة لنزعة فضّ الشراكة لدينا. لا بل غالباً ما يتبدّى أنّ "الوطنيّة" إمّا مفروضة قسراً على شعوبنا، فيما الولاءات الفعليّة العميقة ممنوحة للدين والمذهب والطائفة والإثنيّة، أو هي مجرّد عنوان ظاهريّ مشترك تختبئ تحته معانٍ للوطنيّة لا يجمع بينها جامع. وفي هذا المعنى، يتّفق الجميع على إعلان المبايعة اللفظيّة للوطن، فيما يتلهّفون للوصول إلى يوم ينفصلون فيه عن الشريك الآخر في الوطن هذا. ومع ذلك كلّه، فبدل صرف الجهود كلّها على إنجاح التجارب القائمة، وعلى الحدّ من ترنّحها، ما إن ينعقد لقاء عربيّ حتّى تصعد إلى السطح اقتراحات تجميع الدول العربيّة في صيغ أعرض! فكأنّ الذي يفشل في الحفاظ على الكيان الأصغر سيحقّق نجاحاً صارخاً في بناء كيان موعود أكبر! إنّ الجهد المُلحّ والمطلوب اليوم، قبل أيّ وقت آخر، هو ما ينبغي صبّه على سؤال الأسئلة: لماذا تتفتّت، أو تُهدّد بالتفتّت، الكيانات العربيّة ذات المجتمعات التعدّديّة؟ فسؤال كهذا يوحّد، على أوضح ما يكون التوحيد، بين مسألة الأقليّات ومسألة وحدة الدولة والمجتمع. وهو، من ثمّ، سؤال مطروح على السلطات السياسيّة بقدر ما هو مطروح على المجتمعات الأهليّة والمدنيّة، وعلى المنظومات الثقافيّة وبرامج التعليم وكتبه. لكنّه، أيضاً، لا يلبث أن يتفرّع إلى عدد من الأسئلة المتوازية التي يكمّل واحدها الآخر: أوّلاً- كيف الطريق إلى تكريس واقع الوطنيّات الدستوريّة في بلداننا على مستوى داخليّ وعميق؟ ثانياً- كيف العمل على إرساء شرعيّات دستوريّة وسلميّة، وبالطبع زمنيّة، يتواضع الجميع عليها وعلى إيلائها الدور الحاسم في تغيير الأنظمة؟ ثالثاً- كيف يُستبعَد كلّ تمييز في الحقل العامّ بين الأفراد والجماعات تبعاً للدم والإثنيّة والمذهب والمنطقة واللون؟ رابعاً- كيف يُعمل بموجب شفافيّة وحراك لا يتيحان فحسب حريّة التعبير للكلّ، أفراداً وجماعات وقوى، بل يضمنان أيضاً وصول العناصر الجديدة التي تجدّد الدم السياسيّ؟ خامساً- كيف لنا، أنظمة ومجتمعات وثقافات، أن نشيع ثقافة وتعليماً متسامحين لا يكفّران ولا يخوّنان أو يمهّدان، ولو مداورةً، للتكفير والتخوين؟ سادساً- كيف الحدّ من مفاعيل القضايا الإيديولوجيّة الكبرى المجزّئة لوحدة النسيج الوطنيّ؟ سابعاً- كيف يصار إلى تحرير مخيّلتنا التاريخيّة من الأوهام الإمبراطوريّة المتضخّمة التي لا تساعد بتاتاً، بل تضرّ كثيراً، مهمّة إنشاء دول- أمم متواضعة؟ لقد آن أوان الإقرار بأنّ ما نعانيه خطير جدّاً، وهو ما يستدعي التسمية والتعيين ومصارحة الذات والآخر. أمّا الهرب من مشكلاتنا بالوحدة وبفلسطين فهو أوّل ما بات ينبغي الإقلاع عنه حرصاً على العقل والبشر والأرض في وقت واحد.