ثمة شواهد كثيرة على أن اللغة العربية أخذت طريقها للانتشار باعتمادها مادة دراسية في مدارس العديد من الدول الأجنبية وجامعاتها، وذلك لأهميتها في السياسات الاستراتيجية لهذه الدول، وآخرها الخطوة التي اتخذتها وزارة الخارجية الأميركية بجعل العربية مادة دراسية مقررة في إطار برنامج سمَّته "مبادرة اللغات من أجل الأمن القومي"، بعد أن وجدت أن عشرة فقط من بين موظفيها البالغ عددهم 34000 يتقنون اللغة العربية. لكن في المقابل، تدل الشواهد الأخرى حول وضع اللغة العربية داخل وطنها الأم، على تراجع مثير تَحدَّث عنه العديد من المختصين والعلماء والباحثين، لاسيما بعد أن أصبحت مؤسسات التعليم في الوطن العربي تعتمد اللغة الإنجليزية كلغة تعليم وليس مجرد مادة دراسية، واتسعت مساحة المدارس والجامعات الأجنبية، ومن ثم أصبحت لغةَ التعامل في مجالات الحياة من البيت إلى الشارع. ومما يمكن رصده في هذا الخصوص أن أساتذة اللغة العربية، في المدارس والجامعات، ما عادوا يتكلمون لغة عربية سليمة في محاضراتهم. كما أن كبار الساسة إذا ما ذهبوا إلى المؤتمرات الدولية يفضلون التحدث بالإنجليزية رغم أن الأمم المتحدة تعتمد العربية كلغة دولية، وهو ما لاحظه الأجانب وبكثير من الاستغراب. والطريف أن ذلك يحدث أيضاً خلال المؤتمرات التي تعقد في الدول العربية نفسها. وأذكر أن أحدهم ألقى كلمة باللغة الإنجليزية رغم أن الحضور كانوا كلهم عرباً! وحول تضحيات الدول من أجل لغاتها، يقال إن فرنسا عرضت ذات مرة على بلاد المغرب العربي إسقاط كل الديون عنها مقابل الإبقاء على اللغة الفرنسية لغة للتعليم. وحين قرر الاتحاد الأوروبي التوحَّد حافظت كل دولة فيه على لغتها ولم تقبل تنازلا واحداً في هذا الشأن. إن كل الدول والشعوب التي نهضت وتقدمت، وبخاصة في مجال العلوم التطبيقية والتقنية عالية الجودة، هي فقط تلك الدول التي حافظت على التعليم فيها باللغة الوطنية. وقد أثبتت الكثير من الدراسات والأبحاث أن مسألة التقدم والنهوض لا تتحقق دون اعتماد اللغة الأم أو خارج إطارها، أي اللغة الوطنية التي تحرص كل الدول على جعلها أساساً لحركة التنمية ووعاءً لنقل معارف الآخر وثقافته... فاللغة محرك فعال للإبداع والابتكار والتنمية. واللغة العربية بصفة خاصة هي لغة القرآن الكريم وحضارته، ووعاء العلوم وحاضنة الثقافة العربية الإسلامية وتراثها الضخم. إلا أن هناك اليوم من يروج لفكرة أنها لغة غير قادرة على مسايرة العلم والحضارة. بيد أن كل الشواهد تكذب هذا الزعم، فاللغة العربية فريدة في ثرائها وقدرتها على اشتقاق الألفاظ والمعاني، على نحو لا يتوفر لأي لغة أخرى في العالم. وتاريخياً لنا في حركة الترجمة العربية خلال العصر العباسي، دليل يثبت قدرة اللغة العربية على إنتاج واستيعاب جميع العلوم والمعارف والثقافات، مما شكل الأساس الذي قامت عليه النهضة الأوروبية الحديثة. كما أن لنا دليلاً في تجارب العصر الحديث، خاصة في عهد محمد علي بمصر، وتجارب أخرى لم تتوفر لها الظروف المناسبة، بل ووجهت بالكثير من العقبات والعوائق. قال أحد كبار رجالات اليسوعية، واسمه "بول موفلان"، من أن "تعليم الناس لغتنا الفرنسية لا يعني مجرد أن تألف ألسنتهم وآذانهم الصوت الفرنسي، بل أيضاً يعني فتح عقولهم وقلوبهم على الأفكار وعلى العواطف الفرنسية حتى نجعل منهم فرنسيين، إن هذه السياسة تؤدي إلى فتح بلد بواسطة اللغة".