هُناك تقديرات تفيد بأن سُكَّان الإمارات قد تضاعف عددهم من قرابة أربعة ملايين نسمة في 2005 إلى حوالي ثمانية ملايين نسمة في 2010، وهذا العامل السُّكاني الضاغط مفصلي في حدة الأزمات المرورية بالدولة، وفي نفس الوقت مفارقة لا يمكن مقارنتها بأي دولة أخرى. فالعامل السُّكاني يحمل وزارة الداخلية والإدارات المعنية أعباء حل المشاكل اليومية التي تواجه كل سائق أو مستعمل للطريق، وهي أعباء يصعب حصرها. ولذا عندما نقارن حجم المشكلات المرورية بالدولة بغيرها من الدول المتقدمة لا ينبغي إغفال هذا العامل الذي لا علاقة له بالمجتمعات الأخرى التي لا يتضاعف فيها السكان، من زاوية الزيادة الطبيعية لأن السكان يتضاعف عددهم كل ربع أو نصف قرن. وقد يظن البعض أن هذه الزيادة يسهل التعامل معها وفق استراتيجيات بعيدة المدى وهذا جزء من الحل، ولكن الجزء الآخر يتعلق بأعمال البنية التحتية التي قد تتعرض للاستهلاك أسرع من عمرها الافتراضي. إن الأجهزة المعنية على تماس مع هذه الإشكالية السّكَّانية وفي أثرها المباشر على أزمة الاختناقات المرورية والحوادث القاتلة التي تتسبب فيها في الغالب قلة الوعي والإدراك من قبل الشريحة الآسيوية العظمى في مجمل المنظومة السكانية بالدولة، لأن الأمية هي السلعة الرائجة لدى هؤلاء. هل الدولة هنا مسؤولة عن إزالة الأمية وقلة الوعي والعلم لدى هؤلاء الذين يمثلون العمالة في أدنى السلم الإداري في المجتمع، دون أن تتحمل مجتمعاتهم أدنى درجات المسؤولية عن توعيتهم في وقت مبكر قبل ولوجهم إلى أرض الدولة بكل سلبياتهم الاجتماعية. هل بمقدور أجهزة المرور توعية هذه الملايين، وهل هذا الدور واجب عليها، وإذا كان الأمر كذلك فمتى يمكن الانتهاء من ذلك؟! فالأمر ليس بهذه السهولة، لأن تغيير عادات وثقافات الناس مرتبط بالحياة التي عاشها الفرد في مجتمعه الأصلي ولا نعتقد أن المطلوب منا إجراء هذا التغيير الجذري مهما كانت تكاليفه المالية والمعنوية للوصول إلى الرقم صفر في عدد وفيات الحوادث القاتلة وفق ما هو مرسوم في الاستراتيجيات بعيدة المدى. ولا نعتقد أن علينا تحمل كل ذلك، فمزيد من التنسيق والتعاون مع السفارات وقنصليات كل قادم إلينا، يمكّن من اختصار الزمن وترشيد الكثير من الأموال التي تصرف على عمليات التوعية الأمنية التي تكون على حساب أولويات أخرى ملحة. ويمكن الوقوف أيضاً على مخالفات بعض سائقي شركات المواصلات الخاصة، التي تقوم بتوعية العاملين فيها قبل قيادة مركباتهم على الطرقات العامة لغرض تقديم أفضل الخدمات، فبعض هؤلاء على رأس من يرتكب الأخطاء القاتلة عند أول محاولة لعبور اختبار النجاح في مهماته اليومية مع الألوف المؤلفة ممن يحتاجون للوصول إلى أماكن أعمالهم سالمين على أقل تقدير. نعتقد أن مجتمعنا وصل إلى مرحلة يفترض فيها انتقاء العمالة اللازمة لتسيير مشاريع التنمية، وإلا سنظل ندفع الثمن من خلال بناء المزيد من البنية التحتية، وكذلك عمل الصيانات المتكررة دون طائل. فالوضع لا يحتمل المزيد من التجارب، لأن الخريطة السكانية للدولة واضحة للجميع، والفئات أو الشرائح الأكثر ارتكاباً للمخالفات لا تخفى عن أعين رجال الضبط المروري، ولكن الحل أيضاً لا يمكن أن يكون بجلب المزيد من المخالفين سلفاً للأنظمة والقوانين قبل وصولهم إلى الدولة، لأن من كانت اللامبالاة جزءاً من سلوكه اليومي في مجتمعه الذي لا يمكن تطبيق القوانين المنظمة له، فليس من المنطق أن نتحمل نحن دفع الضريبة الاجتماعية والاقتصادية.