شكلت زيارة نتنياهو إلى واشنطن الأسبوع الماضي تحولاً واضحاً في العلاقة بينه وبين أوباما. وحريٌّ بالفلسطينيين أن يأخذوا في عين الاعتبار هذه الحقيقة ويضعوها في حساباتهم الاستراتيجية للخروج بالاستنتاجات المناسبة. لقد تميزت المرحلة الأولى من العلاقة بين أوباما ونتنياهو بالمواجهة وارتفاع حدة التوتر، حيث طالب أوباما إسرائيل علناً بوقف بناء كل المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما رفضه نتنياهو بعناد قبل أن يذعن للضغوط الأميركية في الأخير ويعلن عن تعليق مؤقت لبناء المستوطنات، وإن استثنى القدس الشرقية من هذا التعليق. وقد شكل ذلك انتصاراً جزئيّاً لأوباما وللفلسطينيين، الذين رفضوا استئناف مفاوضات السلام طالما لم يتم وضع حد لبناء المستوطنات. ثم ازدادت حدة التوتر عندما أعلن مسؤولون إسرائيليون، خلال زيارة "بايدن" إلى إسرائيل، عن موافقتهم على مخططات لبناء مستوطنات يهودية في القدس الشرقية. وعندما جاء نتنياهو إلى واشنطن في مارس الماضي، خصه البيت الأبيض باستقبال فاتر ترجم بوضوح استياء الرئيس الأميركي من نتنياهو الذي اضطر للانتظار إلى حين انتهاء أوباما من تناول وجبة العشاء مع زوجته وابنتيه. أما لقاء الأسبوع الماضي بين أوباما ونتنياهو فقد تم الإعداد له بعناية، وذلك حتى لا يكون ثمة شك في أن الدبلوماسية الصامتة قد حلت محل المواجهة العلنية، حيث لم يشر أوباما إلى موضوع بناء المستوطنات علناً. ولم يقدم نتنياهو أي شيء ملموس علناً أيضاً عدا القول إنه سيتخذ خطوات من أجل التخفيف من حدة التوتر، كما دعا إلى مفاوضات سلام مباشرة مع الفلسطينيين. ويبدو أن ذلك كان كافيّاً حتى يغدق أوباما على ضيفه عبارات المديح معبِّراً عن ثقته في التزام نتنياهو بالسلام. وإضافة إلى الاهتمام الخاص والمديح العلني، تلقى نتنياهو من أوباما أيضاً تأكيداً جديداً على السياسة الأميركية تجاه عقيدة الغموض النووي التي تتبناها إسرائيل -على رغم أن واشنطن كانت قد دعت إسرائيل علناً إلى الانضمام إلى اتفاقية حظر الانتشار النووي، ووقعت وثيقة أممية تنتقد رفض إسرائيل الانضمام إلى تلك الاتفاقية. وعلاوة على ذلك وبفضل الدعم الأميركي، سجلت إسرائيل مكسباً دبلوماسيّاً نادراً في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي عندما ألغت الجمعية العامة للأمم المتحدة مناقشة مقررة للغارة التي شنتها إسرائيل على سفن أسطول الحرية. والواقع أن تغير طبيعة العلاقة بين نتنياهو وأوباما من المواجهة المكشوفة إلى عبارات الودِّ والمديح العلني وعدد من مظاهر الدعم الأميركي لإسرائيل... يقدم درساً مهمّاً للفلسطينيين مؤداه أنه على رغم أن أوباما يعد بدون شك أحد الرؤساء الأميركيين القلائل الذين أبدوا التزاماً جديّاً وكرسوا وقتهم وجهدهم لحل النزاع العربي- الإسرائيلي، إلا أنه مع ذلك ليس محصَّناً ضد وقائع وضغوط السياسة الداخلية في الولايات المتحدة، حيث بدأ المرشحون "الجمهوريون" لانتخابات نوفمبر النصفية منذ بعض الوقت في اتهام أوباما بمعاداة إسرائيل، في محاولة لإضعاف الدعم اليهودي التقليدي لـ"الديمقراطيين". ومن أجل الرد على هذا الادعاء، خص أوباما وسائل الإعلام الإسرائيلية بمقابلات صحفية. وعندما سألته صحفية إسرائيلية في إحدى هذه المقابلات حول ما يقال من أنه لا تربطه بإسرائيل روابط خاصة، قال أوباما: "ربما يعزى بعض من ذلك إلى حقيقة أن اسمي الأوسط هو حسين، وهو ما يخلق شكّاً عند بعض الناس"، مضيفاً "ولكن المثير للسخرية هو أن مدير الموظفين في إدارتي يدعى رام إسرائيل إيمانويل". وبالتالي، فمن الواضح أن أوباما يقف موقفاً دفاعيّاً؛ ذلك أنه على رغم أنه سيواصل التزامه ربما تجاه التوصل إلى السلام في المنطقة، إلا أن التزامه الأكبر هو البقاء في السلطة، تحديداً لأنه يحتاج للسلطة من أجل تحقيق السلام. ثم إن ذلك واضح أيضاً من انتقال التركيز من التأكيد العلني على وقف تام لبناء المستوطنات إلى تشجيع نتنياهو والفلسطينيين دبلوماسيّاً على اغتنام الفرصة المتاحة الآن لتحريك عملية السلام. وعليه، فإذا ظلت القيادة الفلسطينية مشلولة بمطلب التجميد التام لبناء المستوطنات اليهودية قبل بدء مفاوضات سلام مباشرة، فإن الدعم الأميركي لها سيأخذ في التضاؤل، وستمنح نتنياهو ذريعة لاستئناف بناء المستوطنات اليهودية وإلحاق مزيد من الضرر نتيجة لذلك بمفاوضات الوضع النهائي. وفي خطاب إلى "مجلس العلاقات الخارجية"، أوضح نتنياهو بشكل لا لبس فيه أنه لا ينوي تمديد تعليق بناء المستوطنات في الضفة الغربية عندما ينتهي أجله في سبتمبر إذ قال: "أعتقد أننا قمنا بما يكفي". كما وعد بإفحام منتقديه قائلا إنه مستعد للمجازفة السياسية من أجل تحقيق السلام. ونظراً للتشجيع الذي وجده في نجاح زيارته إلى واشنطن وتعبير أوباما له عن دعمه، قال نتنياهو بثقة: "إن التقارير حول موت العلاقة الخاصة ليست سابقة لأوانها فقط، بل هي مجانبة للحقيقة تماماً". وهنا في الواقع تكمن رسالة مهمة أخرى للفلسطينيين مفادها: إذا كنتم تعولون على أوباما حتى يمارس ضغطاً مستمراً على إسرائيل أو يفرض رؤيته للسلام على جميع الأطراف، فإنكم ترتكبون خطأ جسيماً. فهذا لا يبدو أن أوباما مستعد للقيام به للضغط على الطرفين، وبخاصة إسرائيل، في سبيل تحقيق السلام. فالتزامه بالسلام لم يتغير، ولكن طريقة تحقيقه باتت اليوم غير منسجمة مع توقعات الفلسطينيين لضغوط أكبر على إسرائيل. وعليه، فكلما أسرع الفلسطينيون لأخذ هذه الحقائق في عين الاعتبار وقاموا بتعديل استراتيجيتهم وفق ذلك، كلما كانوا في وضع أفضل حتى لا يضيعوا هذه الفرصة الفريدة. فليغتنموا الفرصة ويضعوا نتنياهو تحت الاختبار بدلا من منحه الذرائع لنسف جهود السلام.